25 فبراير 2012

انـعِـكَاسَاتُ مِـرْآة ... مُحَاوَلاتٌ جَادَّة " قِصَصٌ قَصِيْرَةْ " 3

منح مرآته أجمل ابتسامة ، و هو يصفف آخر شعرة في مكانها ، كل شيء كان يسير بشكل جيد ، حتى ياقته هذه المرة جفت دون أن تنكمش ، ابتسم مجددًا ، ثم عاد يتطلع إلى وجهه في المرآة ، بدا له أن الجزء الأيمن من شاربه يبدو أطول قليلا من الجزء الأيسر ، سارع يبحث عن المقص .. ثم عاد ليواجه المرآة من جديد .. تساءل عن عدد المرات التي وقف فيها أمام هذه المرآة ليواجه موقفًا مماثلا .. و عاد يجيب نفسه " كثيرة هي تلك المرات " ..

بدت له المرآة أشبه بلوحة هو فنانها ، يعيد تشكيلها وفق مشاعره التي كانت متضاربة في تلك اللحظة ..

في البداية عكست له المرآة جبينه المتفصِّد عرقًا ، حمرة وجنتيه ، ارتعاشة يديه ، و لعثمة شفتيه ، في أول مرة خاض فيها تجربة مقابلة مدير التوظيف ، عكست له المرآة أفكاره البدائية الساذجة ، و التي انتهت بمشكلة لا يحسد عليها .. كان يومًا سيئًا انتهى بعلامتي استفهام و تعجب عند ذلك المدير ! ..

كثيرة هي المرات  التي قدم فيها لوظيفة ، أو حتى مشاريع تطوير و تنمية ، عاد وجهه ليحتقن من جديد ، فقد تذكر أن الصدمة التي تلقاها في المرة الأخيرة حينما رفض مشروعه لم تكن بذات طعم سابقتها ، كانت مزيجًا من السخط و اللامبالاة ، حتى أنه تساءل كيف استطاع المزج بين هكذا شعورين مختلفين .. فلقدَّ أحسَّ بطعم الرفض في لسانه .. في حلقه .. في معدته .. بل إن هذا الشعور سرى في شرايينه !! .. ، لكنه شعور قديم ، لا يمتُّ للحاضر بشيء من الصلة ، ابتسم .. فأيام الخيبة و الرفض ولَّت دون رجعة ، فاليوم هو اليوم الأول في حياته الجديدة ، و ولادته الثانية إن صحَّ التعبير .. أما تلك الصفحات فهو متأكد أن خروجه سيعقبه نسيانها ..

آه .. تألم حين تذكَّر كم عمل ساعات و ساعات ، دون أجر ، لكي يثبت أهليته و يحصِّل من الخبرة ما يجعل في رصيده إضافة أكبر يفتخر بها ، و كم استخفَّ بتلك الوريقة عندما حصل عليها بشق الأنفس ، سنتان كاملتان قضاهما في ظل تلك الشركة .. سنتان كاملتان بذل فيهما عرقه و جهده ليثبت جدارته ، و في النهاية لم تكن لتلك الوريقة من الفائدة ما كان يرتجى منها ! ..

تلك الوريقة لم تجدِ شيئًا حين تقدَّم لوظيفته الثانية ، كان هناك كثيرون اصطفوا ليأخذوا نصيبهم من المقابلة ، ومن بينهم كلهم كان هناك زميل قديم له ، كان يبدو واثقًا من نفسه إلى حدٍ كبير ، حتى أنه لم يكن قد عبَّأ جعبته كالبقية بالأوراق الثبوتية الكثيرة التي تثبت كل عمل و كل خطوة خطاها بعد تخرجه من الجامعة ، و لشدة دهشته أن ذلكَ الزميل كان الوحيد الذي تم قبوله ، لم يشكل ذلكَ بالنسبةِ له صدمة ، و لكنَّ صدمته الحقيقية كانت حين علم أن ذلكَ الزميل هو ابنٌ لأحد الوزراء المهمين ..

لاحت في ذاكرته صورة من اليوم الذي فاز فيه مشروعه في مسابقة طرحتها شركة عالمية ، كانت الجائزة منحة إلى بلد أوروبيّ ، يحصِّل فيه دراساته العليا ، قرأ كل الشروط ، و لكنه وقف مطولاً عند أحدها ..  " أن يواصل إقامته و عمله في الخارج " .. و لقد كان قرارًا صعبًا ذلكَ الذي اختاره بأن يبقى ، حتى لو كانت الإمكانات بسيطة ، حتى لو كانت البطالة بنسبة عالية جدًا ، حتى و إن كان العثور على وظيفة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش ، كل ذلكَ لن يجعل فكرة الهجرة تطرق رأسه يومًا .. أن يهاجر وطنه الذي يحب ، أن يضحي بعلمه و خبرته البسيطة في أرض غير أرضه .. لا .. هذا ليس هو ! .. و لذلكَ فهو لم يشعر بأدنى ألم حين رفض المنحة ، بل كاد يقسم بأن قليلا من المتعة خالطته !! ..

صورة ذكرى أخيرة اخترقت الصورة السابقة ، إنه يوم لن يمحي من ذاكرته قط ، لقد كان من الصعوبة بمكان إيجاد وظيفة في عالم يغص بالبطالة ، و لكن دعاء أمه له بعد توفيق الله كان له أكبر الأثر في إحداث فارق ، فقد حصَّل وظيفة يمكن وصفها بالجيدة في إحدى المؤسسات الحكومية ، كان مسرورًا بتلك الوظيفة إلى أقصى حد ، إلى درجة جعلته يتغاضى عن عدم الاستجابة لمشاريعه التنموية التي كان يقدمها مرارًا و تكرارًا ، محملا بالأمل في أن يتحقق أحدها ، لكنه و بالصدفة البحتة ؛ اكتشف ذات يوم مصير كل مشاريعه ، كانت و ببساطة شديدة تسرق ! .. فقد كان اسمه يمحى عنها بكل بساطة ، ليلصق عليها اسم غيره ، و عندما دفعه غضبه الشديد ليسأل المدير العام عن سبب ذلك ، أخبره بأن مصالح الشركة تحتم هكذا عملية ، و لكنه لم يستطع كبح جماح غضبه ، و لم يحتمل فكرة سرقة مشاريعه ، و أفكاره و أعماله ، فلم يكن منه إلا أن قدم استقالته مباشرة .. ، و هو لم يندم على ذلك قط ، وقد جاء اليوم فيه أن يومًا كهذا لن يأتي ..

بدأت المرآة تستفيض بالذكريات من كل لون و شكل ، حتى اختلطت الصور ببعضها ، و بدأت تتشكل في لوحة جديدة ، اكتسبت ألوانها من وحي المشاعر المتضاربة التي بدأت تسيطر على اللوحة ، بدت صورته و هو يعدل ياقته واضحة ، تطلع إلى الساعة ، كان الوقت مناسبًا تمامًا للخروج ، حمل الكثير من الأوراق في ملفه الأبيض ، و ركب سيارة عامة ، و هناك عاد ليواجه المرآة من جديد ، و عادت الذكريات تلحُّ من جديد ، لقد تعلم في الآونة الأخيرة درسًا .. درسًا هو أهم درسٍ قدمته له الحياة في خِضَمِّها ، و لقد كان تعلم هذا الدرس شاقًا ، فهو لم يأته إلا على طبق من المعاناة و الألم ، و لكنه في النهاية يستحق كل ما بذله ليتعلمه .. فلقد كان دائمًا يحاول أن يبني نفسه في المؤسسات و الشركات بمختلف أنواعها و ماهيات عملها ،و لكنه لم يفكر يومًا في أن يدخل القطاع الخاص ، و يغامر ، ليتعلم تراجيديته بنفسه ، و يصعد على أكتافه هو ، لا بأن يصعد الآخرون عليها .. لقد كان يحاول دائمًا أن يكون تابعًا ( أي فاعلاً ) لا متبوعًا ( أي مفعولا به ) .. و لقد عرف كيف يقلب المعادلة أخيرًا .. فجمع شتات نفسه ، و بكثير من الكد و الجهد و الأمل .. استطاع أن يبني هيكله و نفسه .. و لـ ..

- وصلنا ! ..

قطع صوت السائق الذي أذن بالوصول حبل أفكاره ، فعاد يرتبها من جديد بينما كان يدلف إلى باب الشركة .. شركة " الأصابع الذهبية " للمقاولات .. كان المكان خاليًا إلا من السكرتير الذي انشغل بأوراقه لدرجة لم تجعله يلاحظ قدومه ..

- السلام عليكم !
- أوه ! .. و عليكم السلام مهندس أسامة !! .. لقد أفزعتني ! ..
- ههه .. فلتعذرني إذن ، فلقد كان شكلك و أنت ترتب في الأوراق مضحكًا .. كنت " منهمكًا " بحق !
-حسنًا .. أعذرك بالطبع ..
-  و كيف العمل ؟
- يسير على قدم و ساق .. أوه .. الموظفون ينتظرونك في الداخل .. حضروا في الموعد تمامًا ..
- ممتاز ..

خطى خطوات واثقة نحو الباب .. و فتحه .. ليرى أن أحلامه الخاصة لم تعد خيالا  .. بل أصبحت واقعًا و حقيقة ..
                                         حقيقة يلمسها بيده ..
                                                         الآن ..

dodo , the honey
دعاء محيسن

15 فبراير 2012

فضفضة .. من أجلكِ ..

 أترثيني الدموع أم أرثيها ..
لحال لم يعد حالي ..
و عيش أصبح لا يطاق .. 
أنزف من الدم لأبكي ..
على نفسي الآيلة للزوال ..
ترثيني الدموع متساقطة ..
تتساقط على وجنتي الغضة ..
فتعلن نهايتي و .. نهايتها ..

 كم هو صعب أن يكتشف الإنسان مدى هشاشته عند مواجهته موقفًا جادًا لأول مرة  ، و كم يكون الأمر أصعب و أمرّ حينما يكون ذلك الشخص شخصًا نقدره و نحتره و نحبه إلى درجة كبيرة ، و كيف يكون الأمر أصعب إذا كانت الابتسامة التي تلوح على ذلك الثغر دومًا مفقودة مسجونة خلف قناع الموقف الجاد ، و كم يصعب الموقف بافتراق أكثر جدية ، سيكون موقفًا لا يحسد عليه صاحبه  ، و قد كان ..

  إن الإنسان بطبيعته البشرية يخطيء ، و قد لا تحتمل نفسيته أن يتعب أكثر ، فينفجر مرة واحدة ، و من الممكن أن يكتم تلك الرغبات و النزعات تحت قناع مصطنع ، قد يحمل ابتساماتٍ مصطنعة أيضًا ، و لكنه لا يستطيع أن يبقي على كل ما يختلج في نفسه أسيرًا ، فتبدأ النزعات بالخروج تارة بعد أخرى ، و قد لا تحدث الأثر الكبير لضآلة حجمها ، و قد يظن الشخص بفعلته تلك أن الأمر ليس بذلكَ السوء ، و أنه ليس مخطئًا بعمل كهذا ..

  أحيانًا تمنحنا الحياة في يوم أكثر مما نحتاجه لنمتليء حتى الأذنين بالتفاؤل و السرور إلى أقصى حد ، تمنحنا كلماتٍ من أشخاص نحترمهم جدًا ، و تمنحنا أملا جديدًا في أشخاص فقدوه ، و تمنحنا ضحكات و ابتساماتٍ كثيرة تنعشنا بالأمل ، فلا ننتبه إلى تصرفتنا التي قد تكون مدفوعة أو نكون نحن مدفوعين إليها بكل تلك المنح ، فنرتكب أخطاء بسيطة ، لا ننتبه إلى أهميتها في وقتها ، و لكنها أخطاء جسيمة في نظر الآخرين ، الآخرين الذين يهتمون بنا ، و الذين يريدون لنا ألا نرتكب أي هفوة بسيطة ، أولئك هم المهتمون بنا ، الساعون إلى مصلحتنا ، و الذين يقدروننا بشدة ..

  قد يكون التأنيب أحيانًا قاسيًا ، خاصة عندما يكون موجهًا من شخص لم نعتد منه إلى المدح ، من شخص نحترمه كثيرًا ، و نقدره إلى أبعد الحدود ، شخص نادر الوجود في مثل هذا العالم ، قد يكون تأنيب ذلك الشخص من أجل مصلحتنا و مصلحتنا فقط ، و هو و إن ترك الدموع الغضة ، فإنه قد تركَ ما هو أعمق .. فهو يورث في القلب محبة أكبر و تقديرًا أكبر لذلك الشخص ، فما هذا التأنيب إلا دلالة على مقدار الاهتمام الذي يولينا إياه ، و أننا نعني له على الأقل " شيئًا " ..

  في الآونة الأخيرة ، كنت متقلبة المزاج إلى حد لا يوصف ، و أعتقد أنني كنت مستهترة بالكثير من الأشياء ، أتمنى فقط أن أستطيع التوفيق بين كل مشاعري و أن أقدر على التحكم بها يومًا ما .. فلعلَّ دموعي لا تستحق كل المواقف التي بكيت من أجلها مؤخرًا ..
dodo , the honey
دُعَاء محِيسِن