27 أغسطس، 2012

لَيْلَةٌ مُخْتَلِفَة ..

  كانت ليلةً مختلفةً عن أيّ ليلةٍ شهدتها ، القمرُ اختفى ، و ربما تلوَّنَ بالسواد ، حتى يخفيَ وجودهُ عن الحادثة ، لم تكن السماء ملبدة بالغيوم ، كانت ملبدةً بشيءٍ يصعبُ وصفه – بل يستحيل - ، كلُّ شيءٍ كانَ مختلفًا ، متنكِّرًا ، مستغربًا ، مُتعجبًا ! ، تبدو الصورةُ من بعيدٍ أشبهَ بلوحةٍ رسمها فنانٌ مبتدئ ، لم يعرف أينَ يضع ما بينَ يديهِ من ألوان ، فرشقها دونَ ترتيب ، و كانت هيَ تتوسَّطُ اللوحةَ .. لم تكن تفكر بشيء ، لقد أصبحت مرتاحةً الآن ، لا شيءَ ليبعثَ في قلبها الخوفَ أو الحسرة ، كلُّ شيءٍ بخير .. كما كانت تردد دومًا .. عقدت كفيها في تململ ، أغلقتْ عينيها ، تجاهلت الريح التي تصفر بجانبها ، ضمّت قدميها ، و استغرقت في نومٍ مصطنع ، الأفكارُ تلحُّ عليها من كلِّ ناحية ، و هيَ تحافظُ على هدوئها الأسطوريّ ، مانعةً أيّ فكرةٍ من اختراقِ حجُبِ عقلها ..

بإمكانها الآن أن تفعلَ كلّ شيء ، أو أن لا تفعل شيئًا ، كلّ شيءٍ انتهى الآن ، و ربما كلُّ شيءٍ قد بدأ للتوّ ، الكوخُ الذي قضت فيهِ أجملَ لحظاتِ عمرها و أتعسها معًا كانَ الآن قطعةً محذوفةً من ذاكرتها ، لم يتعدّ حدودَ مكانٍ للنوم أو الأرق ..

هل هي من فعلت ذلك حقًا ؟ ( أخذت تتساءل ) ...
تحسست آثار الدماء المتجمّدةَ على وجنتها ، لم يُثرْ ذلكَ في نفسها أيّ شيء ، بل بعثَ في نفسها ارتياحًا بأن ما حدثَ قد حدثَ فعلًا ..

-         يا لجمال هذه الليلة ..

أخذت تفكِّرُ .. لكنها بالفعل لم تكن ترى شيئًا ، كان كل ما تراه عبارةً عن غمائمَ سوداء تتوسَّطُ عينيها ..

لم تشعر بالبردِ على الرغمِ من الفستانِ الدانتيل الذي تلبسه ، إنه فستان زفافها ، أرادت ارتداءه في هذه الليلةِ بالذات ..

وحدتها لم تبعث في نفسها أيّ خوفٍ ، فلطالما كانت منطويةً على ذاتها ، حتى عندما تزوجت ذلك الفتى الجوّال الذي أغرمت به في مراهقتها ، إلى أن هربت من البيتِ لتتزوجَّه في البراري ، إنها الآن على بعدِ أمتارٍ من جثته ، لم يثر هذا أيضًا دخيلتها ، مضت فترةٌ لم تعد تحس فيها بأيّ مشاعرَ من أيّ نوعٍ ، حتى تجاه زوجها ، الذي لم تعرف إلى أي درجة من الغباءِ كانت لتهجر مرابعها لتتزوجه ..

لقد أنهت كل شيءٍ .. اليوم .. لا أحدَ هنا ليلومها ، و لا شيءَ يستطيعُ أن يُكرهها مجددًا على فعلِ أيّ شيءٍ ، نظرت أمامها .. كانَ كلُّ شيءٍ معدًا ، الحبلُ معلقٌ بإحكامٍ ، معقودٌ في أعلى القطعة الخشبيَّة ، و المقعد أسفله ، كلُّ شيءٍ معدٌ و مخططٌ له بإحكامٍ ، ليبدوَ الحادثُ كأيِّ حادثٍ "عاديٍّ" ...


صبيحة العاشر من أغسطس 2012
 
dodo , the honey
دُعاء محيسن

24 أغسطس، 2012

فلتَرفَعْ سقفَ آمالكَ !

في كثيرٍ منَ المراتِ كنتُ أواجهُ كثيرًا من الناسِ عامةً و من أصدقائي خاصةً بهذه العبارة ، ذلكَ لأنّي من النوعِ المُتفائل جدًا غالبًا و أحبُّ توقّع الأفضل دومًا ، على العكسِ من البعضِ الذينَ يخالونَ أنّ رصدهم لأسوأ ما سيحدث أفضلُ من توقع الأفضل ، لأنّ توقع الأفضل يصيبهم ب"كسوف" من نوعٍ مجهول حسبَ زعمهم ! ..


و هنا نقطةٌ شائكة ، و حسَّاسةٌ جدًا ، و تتطلبُ من المرء أن يكونَ مرنًا بقدر المستطاع ، و ذلك ليوازنَ بين تأمّل الأفضل و توقعه ، و بينَ إمكانية حدوث الأسوأ و ما لا يحمدُ عقباه ..

إنها الخطط البديلة ، و إنها المرونة ، و الابتعادُ عن الحساسية الشديدة .. فمثلًا لديَّ صديقة في ذات مرحلتي الدراسية ، عقدت النية على أن تدرس الطب في الجامعة بعد تخرجها من الثانوية ، مما يتطلب منها معدلًا في المتوسط لا يقل عن 98 % ، سألتها ماذا ستفعل إن لَمْ تحصِّل هذه النتيجة ، فَبهتت ! .. و قالت بأنها ستحصلها .. و بأنها ستجتهد في الدراسة و و إلخ .. و هذه الخطة و التكتيك فاشل تمامًا ، صحيحٌ أنها تأملُ أن تحقق هذه النتيجة ، و رفعت سقف آمالها إلى حدٍ كبيرٍ ، لكنها لم تضع خطة بديلة مرنة ، تشفعُ لها إن لم تحقق النتيجة التي تؤهلها لدراسة الطب ، حتى أنها كشخصٍ ليست متفائلة بالدرجة المطلوبة و " الله يعين " هي الجملة التي تقابلني بها عندما أسألها ! .. فتخيلوا أن لا تحصل في نهاية العام على ما ترجوه ، ستصبحُ ذرةً مندوفةً من القطن ! .. لن تستطيعَ أن تتحمّل أنها لن تحقق حلمها و أنها فشلت رغم أنها قد تكون قد حققت معدلا ممتازًا و رائعًا يؤهلها لدخولِ الكثير من التخصصاتِ المختلفةِ ! .. كلُّ هذا لأنها لم تضع خطة بديلة ، و لم تكُن مرنةً بدرجةٍ كافية ، تدحضُ عنها الدخولَ في دواماتٍ لا قِبَلَ لها بها ... لذلكَ فإنّ التخطيطَ المُسبق ، و عمل خططٍ بديلة مرنة ، تكفلُ للفردِ النجاح في أكثر من مَهمَّة ، أو النجاحَ الكامل في المهمة التي يبتغيها ..

كما أنّ المرءَ عليهِ الابتعادُ عن التواكل و التخاذل ، و الاكتفاءُ برفعِ سقفِ آماله ، دونَ العملِ الجادّ ، و الأخذ بالأسباب ، فهو أيضًا بهذه الطريقة لن يحقق شيئًا ، على المرءِ تحقيقُ التوازنِ بين الأمرين .. فيتوكَّلَ على الله رافعًا سقفَ آمالهِ ، و محاذيًا طريقَ العملِ و الكفاح لتحقيقِ البغية ..


مثالٌ آخرُ من نظرةٍ مغايرة : أن يُخبركَ أحدٌ ما بأنّ هناكَ روايةً قرأها ، و بإيجازٍ شديد هي رواية "عظيمة" ! ، و ما إن تسمع كلامه عن الأمر و تعظيمهُ لها و مدحه فيها و في كاتبها إلى أن تبادرَ إلى اقتنائها و قراءتها ظانًّا أنكَ ستجدُ الأعجوبةَ الثامنة من عجائب الدنيا السبع !

و إذا بكَ تفاجأ أنها روايةٌ عاديةٌ أو أقلّ ، فتنهارَ كلّ المُعتقدات التي رسختها عنها مرةً واحدةً ، و في العادة لا يكونُ ذلك صحيحًا ، و تكونُ الرواية جميلة فعلًا ، لكن الصورةَ التي بنيتها عنها تكونُ خياليّة ، و "عظيمة" فتُقلّلُ من شأنها لمَّا تقرأها .. هذه حقيقة !

كما أنّ هناكَ علاقةً كبيرةً جدًا بين ما نتخيله و ما يتحقق ، فالعقلُ أيضًا يجذبُ الأشياءَ التي توازي خيالنا ، فنحنُ كلما كنّا متفائلينَ بنتيجةٍ ما ، و تخيلنا حصولنا على أعلى الدرجات – بالعملِ الجادّ لا الأحلامِ فقط ! – سيتحقق كلُّ ذلك ! .. تخيلوا !

دومًا الخيالُ أقوى من المعرفة ، و دومًا غذُّوا خيالكم بالصورِ المُفيدة ، و النافعة ، و الإيجابية المُحفِّزة ، و حذارِ من أن تتوغلوا في أحلامِ اليقظةِ السلبية ، التي تصوّر لكم أحداثًا مُستقبلية سلبية ، فتحشونَ عقولكم بها .. فتتحقق فعلا ! .. كلما فكرتم بشيءٍ ما بشدةٍ و لوقتٍ طويل ، فإنه يتحقق فعلًا ، إنه قانون الجذب ببساطة .. فلمَ لا تجذبونَ ما هو مفيد ؟! .. بدلًا من تضييعِ الوقتِ بأحلامٍ ساذجة ، و توقعاتٍ سلبية تهوي بنا إلى قعرِ بئرٍ مليئةٍ بالغُبار ..

" تفاءلوا بالخير تجدوه " كان حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأين نحن منه ؟!
و نحن نتوقع دومًا أسوأ النتائج ، سواءً في نتيجة اختبارٍ أو نهايةِ مشكلة ما !

حتى العرب كانوا يقولون " الصحراء مفازة ، و الحكيم سليم " ، بأنهم كانوا يتفاءلونَ بالصحة بعد المرض و غيره ..

لذلكَ مجددًا أقولها لكم " ارفعوا سقفَ آمالكم " و لا تنسَوا أن تتوكّلوا على الله فهو الموفق و بالاستعانةِ به تُصبحُ الآمالَ حقائق و وقائع ..


هامش : جدًا اشتقتُ إلى الكتابةِ في هذا المجال ، و أخالُ أنّ معظمَ كتاباتي القادمة ستكونُ في التحفيزِ و هذه الأمور ..

 dodo , the honey
دُعاء محيسن

18 أغسطس، 2012

العِيْدْ .. " ذَهَبَ الزَّمَنُ الطِّفْلُ .. و أبْقَانَا .. غُرَبَاء "

" ذَهَبَ الزَّمَنُ الطِّفْلُ .. و أبْقَانَا .. غُرَبَاء "

الكثيرُ .. الكثيرُ جدًا من الأشياءِ تغيّر عن العامِ السّابق .. و ربما أنا من ضمنها ، من الأشياءِ ما آلَ إلى الأفضلِ ، و البعضُ الآخرُ إلى الأسوء ، أخالُ بأنّني إن قُدِّرَ لي أن أرى العالمَ و ما أصبحَ عليهِ اليوم – و يشملُ ذلك بالأخصّ الثوراتِ العربيّة و بعضَ نتائجها – فإني لم أكُن لأصدِّق .. الكثيرُ بالفعل تغيَّر .. الكثيرُ جدًا ..

لا تزالُ نفسي الطفوليَّةُ توَّاقةً إلى العيد ، و لا أزالُ مولعةً بركوبِ الأراجيح ، و قد خططتُ لفعل الكثيرِ بهذا الصدد ! .. إنني لأحمدُ الله على أن جعلَ لنا أيامًا نسعد فيها .. على الرغم من أنّ هذا العيدَ سيكونُ غريبًا بعضَ الشيء – و ذلك لأمورٍ حدثت في العائلة – فإني سأفعلُ ما سيعينني الله عليه لتكون أيام العيدِ سعيدة بالفعل ..

في كل عام ، في الليلةِ التي تسبقُ العيد ، أصاب بالأرق ، مذ كنتُ صغيرةً ، كنتُ أبقى مستيقظةً إلى أن أغفو ، و أنا أفكّر .. في كلّ شيء ! .. و كنتُ أشعرُ أحيانًا بالخوف ، لا أعرف سبب خوفي تحديدًا ! .. و لكني كنتُ أدعو الله أن أعيشَ لأحيا أيَّام العيد ! .. لا أعرف .. هذه السنة لم أتمنّ ذلك .. ربما لأنّ ما كنتُ أفكّر به – و هو كثيرٌ جدًا – ألهاني ! .. و ربما لشيءٍ آخر ..

يضحكني جدًا عندما أتذكر نفسي و أنا صغيرة في ذكرياتي مع العيد ! .. كنتُ أصرفُ العيدية كلها على الأرجوحةِ مع صديقةٍ لي وقتذاك ، و أذكرُ أنه قد بقي معي " خمسة شواكل " أي ما يعادل دولارًا  و نصف فقط ! ، و أخي كان يريدُ أن يعطيني عيديَّتي كاملة فاقترح أن أأخذ " خمسين شيكلًا " – ما يعادل أربعة عشر دولارًأ تقريبًا - مقابل أن أعطيه " الشواكل الخمس " و بالطبع رفضت ! .. ذلكَ لأن " الخمسين شيكل " عملة ورقيّة ، بينما " الخمسة شواكل " عملة معدنية و أنا كنتُ أظن أن تلك ورقة تافهة مقارنة بما معي ! .. أضحكُ كثيرًا عندما أستذكرُ ما كنتُ فيه من السذاجة !

هذه السنة مختلفةٌ قليلًا عن السنواتِ السابقةِ التي عشتها .. و ذلكَ لأنّ جزءًا مني تغيّر .. و لأنّ بعضَ أفكاري و مبادئي رسخت جذورها فيّ أكثر ، و البعضُ الآخر امّحى تمامًا ..

ما أجملَ أن تتوضَّح بعضُ الحقائق التي كانَ المرء عاجزًا عن فهمها ، أو غير مُتَثَبِّتٍ تماما من صحّتها ، ما أجملَ ذلكَ الشعور ! .. حقًا ! .. الكثيرُ مما كنتُ أجهل و مما كنتُ أتمنى أن أعرف تكشَّف لي .. أشياءٌ كانت تقضّ مضجعي ، و لكنها أخيرًا أصبحت واضحة المعالم ! ..

كلّ عامٍ و أنتم بخير أصدقائي .. إنّه العيدُ الثاني الذي يمرّ على مدونتي ، عيدٌ سعيد أتمنى أن يحلّ عليكم ، و أن تكونوا بأفضلِ صحّةٍ و عافية .. و إني لأسألُ الله أن يحلّ عيدَ فرحةٍ على سوريا ، و أن يتحقق لهم النصر الذي لم تكفّ ألسنتنا عن الدعاء به لهم ، أسأل الله أن يجمع لهم فرحتينِ مع الأيام القادمة ، و أن يرحم شهداءهم ، و يعجّل بشفاء جرحاهم ، و يجزي مجاهديهم خير جزاء .. و ما ذلك على الله بعزيز ..

استمتعوا بالعيدِ ما استطعتم !
و أخرجوا الطفل الذي بداخلكم !
استنهضوه !
و كونوا أشقياء في هذه الأيّام !
و لا بأسَ بأن ترسلوا لي حباتٍ من شوكولاتة العيد التي ستجمعونها !

كونوا بخير ،
و عيشوا لحظاتِ البهجةِ التي أعطينيها من الله تعالى ،
" عيشوا مباهجَ اللحظة ، لا تفكروا في الغد " ..

دمتم لي ، و دمتُ لكم ..
أجمل الأمنياتِ بأبهى عيدٍ ..

 
dodo , the honey
دُعاء محيسن