31 أكتوبر، 2012

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا ..


قال تعالى : "{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}"
( فصّلت : 53 )

   يقفُ العالمُ على حافَّةِ اكتشافاتٍ جديدةٍ كلّ يومٍ ، فلا يكادُ يومٌ يمرُّ إلا وقد أضيفَ إلى حصيلةِ علومِ الإنسانِ شيءٌ جديدٌ من المعرفة ، يكشفُ الله له ستارَ المعرفةِ رويدًا رويدًا ، فيخترقُه بشغفٍ ، يكافح ، يناضل ، يسعى ، يغامرُ ، يجرّبُ ، ويخوضُ غمارَ المعرفةِ ، مضحِّيًا بالمالِ والجَهدِ  الوقتِ و حتّى النّفسِ ؛ ملاقيًا أشدّ العَنَتِ ، في سبيلِ أنْ يوقدَ شمعةً جديدةً في دركاتِ الظّلامِ .. يدركُ أنّ دائرة المعرفةِ تتّسع ، و بذلكَ تتّسعُ باطرادٍ أكبر دائرة المجهولِ العظيمِ ، عدوّ البشريّةِ الأوحد !

  ينيرُ الله بصيرتنا بالمعرفة ، أفليسَ هو القائل سبحانه: "هو الذي ينزل على عبده آياتٍ بيّناتٍ ليخرجكم من الظّلماتِ إلى النّور"[1] ، النّور .. نور المعرفة ، فالمعرفةُ أشبه ما تكونُ بشرابٍ يسقاه الجاهل فيبرأ ، وفي ذلك يقول المتنبّي:
ذو العقل يشقى في النّعيمِ بعقله        و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم

   في عصرِ السّرعةِ و التّكنولوجيا واختراقِ الفضاء ؛ أصبحَ الإنسانُ في سباقٍ مع المجهول ، نحو أفْقٍ بلا نهايةٍ ، لأنّ العلمَ هو الشيء الوحيدُ الذي لا يملكُ حدودًا ، فما يَثْبُتُ في يومٍ ؛ لا يلبثُ أن يبطله اكتشافٌ آخر في اليومِ التالي أو يزيدَ عليه ، وكما يقول روجر فريتس " فإنّ التّوقف عن التّعلمِ لقلةِ الوقتِ أشبهُ بإيقافِ ساعةِ يدِ المرءِ على أملِ تثبيتِ المستقبل! "

   إنّ جزءًا من الهدفِ من الحياةِ هو التّأمّلَ في ملكوتِ الله ، وقدرته ، وجمال خلقه ، لنوقنَ مع كلّ زيادةٍ في حصيلةِ معرفتنا أنّ الكونَ يُسَيَّرُ بنظامٍ دقيقٍ ، له خالقٌ واحدٌ وحيدٌ ، الذي وهبنا العقل لنتأمّل و نتفكّر و نتدبّر و ننظرَ فنهتدي ، وندركَ إعجازهُ في خلقه ، مخلوقاته ، و في .. أنفسنا !

   و كمثالٍ نجدُ الجسدَ البشريّ أبسطَ مثالٍ و أعقدهُ في آن ، فلا يزالُ العلمُ الحديثُ يكتشفُ ما أودعه الله فيه من أسرارٍ لم يُكشف لنا منها إلا النذرُ اليسير ، فمن كان يخالُ أو يتخيّل أنّ المُخّ به حوالي مائة وخمسين مليار خليّة عقليّة ، وأنّ العقل البشريّ لا يستخدمُ أكثر من 1% من قدرته الحقيقيّة على التّفكير ، وأنّ سرعةَ تفكير الإنسان تزيدُ على سرعةِ الضّوء الذي يبلغُ مائة وستةً و ثمانينَ ألفَ ميلٍ في الثّانية ، و أنّ العينَ لها القدرةُ على التّعرف على عشرة ملايين لونٍ و في الحال دونَ تفكيرٍ ، و أنّ العينين تطرفانِ حوالي ثمانية عشر مرة في اليوم ؛ لتحافظا على الطّاقةِ الكهرومغناطيسيّة بداخلهما ، و أنّ الدّموع مالحة ؛ لكي لا تستطيع الحشراتُ الولوجَ إليها ، و الأنف ، الذي له القدرة على التّعرفِ على أكثر من ألفي رائحةٍ مختلفة ، والفم ، واللسان و قدرتهما على التّعرفِ على الطّعمِ المُختلفِ ،  الأحبالُ الصّوتيةُ و قدرتها على التليّن ليخرجَ الكلامُ واضحًا ، وهذا القلبُ الذي يدقّ حوالي مائة ألف مرة خلال اليوم دون أن نشعر ، والكبد والطحال و الكلى و المعدة[2] ، هذا الفريقُ المتعاونُ في دقةٍ إن دلّت على شيءٍ ، فهيَ تدلُّ على عظيم قدرته سبحانه و تعالى ..

   فكيفَ تأتّى للإنسانِ معرفةُ ذلك ؟!

إنّه سؤالٌ تجدُ جوابه على طرفِ لساننا دون تفكيرٍ ، إنّه ربُّ العالمين ، القائل "علّم الإنسان ما لم يكن يعلم"[3] .. إنّ هذا مِمَّا كشفه الله لنا في أنفسنا و أجسادنا ، فماذا عن الأشياء الأعقدِ و الأغربِ و الأدهشِ !

   قال تعالى: "و يتفكّرون في خلقِ السموات و الأرض"[4]
و ليسَ لنا أن نفرحَ بما وصلنا إليه ، قال تعالى: "فرحوا بما عندهم من العلم وحاقَ بهم ما كانوا به يستهزؤون "[5]


   وعلى الرّغمِ من كلِّ الإنجازاتِ العظيمةِ التي حقَّقتها البشريَّة ، والتي لا تزالُ قيدَ الدّراسةِ والبحثِ و الاستكشافِ ؛ فإنّ قبسَ العلمِ الذي أوتيناهُ لم يزلْ غير بَذْرَةٍ في أرضِ الله ، فقد قالَ تعالى : "وما أوتيتُم من العلمِ إلّا قليلًا "[6] وقال: "لا يحيطونَ بشيءٍ من علمه"[7] ، وقال: "والله يعلمُ وأنتم لا تعلمون"[8] ، إنّ الحُجُبَ تتفتَّح ، والذي علينا هو التّسابقُ لاختراقها ، وكما قالَ جورج إيليس "فإنّ من يتوقَّفُ عن التّعلّم لم يتعلّم شيئًا" ، وقد قالَ عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- أبياتًا عظيمة ، حيثُ قال:
النَّاسُ مِنْ جِهَـةِ التَّمْثِيـلِ أَكْفَـاءُ        أَبُــــــوْهُــمُ آدَمُ والأُمُّ حَــــوَّاءُ
نَفْـسٌ كَنَفْـسٍ وأرواحٌ مُشاكلَـةٌ        وأَعْظُمٌ خُلِقَـتْ فيـها وأعضــاءُ
وإِنَّمـا أُمَّهـاتُ النَّـاسِ أَوْعِيَـةٌ          مُسْتَودعـاتٌ وللأَحْسَـابِ آبــاءُ
فإنْ يَكُنْ لهُمُ مِنْ أَصْلِهـم شَـرَفٌ      يُفاخِـرونَ بـهِ فالطِّيْـنُ والـماءُ
ما الفَضْلُ إلاَّ لأَهْلِ العِلْـمِ إنَّهُـمُ      عَلَى الهُدَى لِمَـنِ اسْتَهْـدَى أَدِلاَّءُ
وقِيمةُ الـمرْءِ مَا قَدْ كان يُحْسِنُـه      وللرِجَالِ علـى الأفعـالِ أَسْمـاءُ
وضدُّ كلِّ امرىءٍ ما كَانَ يَجْهَلُـه     والجَاهِلونَ لأَهْـلِ العِلْـمِ أَعْـدَاءُ
وإنْ أَتَيْتَ بُجُودٍ من ذوي نَسَـبٍ      فـإنَّ نسبَتَنَــــــــا جُــودٌ وعَلْيَـاءُ
ففُزْ بِعِلْمٍ ولاَ تَطْلُـبْ بـهِ بَـدلاً        فالناسُ مَوْتى وأَهْلُ العِلْـمِ أَحْيـاءُ


أجل .. لقدْ صدقَ من قال بأنّ التّفكيرَ هو الرّيح ، المعرفةُ هي الشِّراع ، والبشريَّةُ هي السّفينة ..
و دربُ العلمِ لا يزالُ طويلًا .. طويلًا جدًّا !



[1] ( الحديد : 9 )
[2] المعلومات موثَّقة من كتاب: (أيقظ قدراتك ، واصنع مستقبلك) للدكتور إبراهيم الفقي – رحمه الله -
[3] ( العلق : 5 )
[4] ( آل عمران : 191 )
[5] ( غافر : 83 )
[6] ( الإسراء : 85 )
[7] ( البقرة : 255 )
[8] ( البقرة : 216  )


 dodo , the honey
دُعاء محيسن

29 أكتوبر، 2012

للذّكرى .. لأجملِ عيدٍ في حيآاتي ..



28 – 10 – 2012

تبدأ الشّمسُ رحلةَ الغوصِ داخل البحر ، تتطهّرُ ممَّا رأت من خطايا البشر ، طبقةٌ من الزَّبدِ تعلو وجه البحر ، تطفو بعذوبة ! ، ثم لا يلبثُ الموجُ أن يلتهمها في نهمٍ !
يعرفُ البحرُ جيِّدًا كيفَ يرسمُ البسمةَ على شفاهِ الموجوعين ، وكيفَ يوسّع مساحتها على وجوهِ أولئك السّعداء !

سبحان الله ، الذي خلقَ هذا الكونَ فأبدعَ ما خلق ، ألا الحمدُ لله أنْ كنّا مسلمين ، مدركين أنّ هذا الكونَ بيدِ واحدٍ صمدٍ ، لم يكن له كفوا من أحد ، حقًّا ، الحمدُ لله على نعمةِ الإسلام  بدل أن نكونَ في دركات الجهل ، لا نعلمُ لنا خالقًا أو سببًا للحياة ..

أفكرُ و أختي في ذات المنظر ، تطرحُ واحدة الفكرة فتضحكُ الأخرى ! ، لا لشيء ! ، إلا لأنها كانت تفكّر في ذات الأمر ، إنّها نعمةٌ أخرى جليلةٌ استشعرتها و نحن نتحدّث – أنا وأختي فقط (: - .. نعمةُ أن يكون للمرء إخوة ، يحبّهم ، يحبّونه ، يشاركونه هذه الحياة ..

أحبُّ البحرَ حبّي للسّماء ، ربما لأني عندما أجلسُ قريبًا منه ، فإنّ ريحه القويّة وهي تحرّك ملابسي ، تحرّك معها ذكريات طفولةٍ مشاكسةٍ ، لا أعرف .. لكنّ البحرَ يهيّج الذّكريات من حيث لا أدري ، وكأنّه يريدُ لي أن أَضحك أكثر وأنا أرى نفسي صغيرةً تلهو بالرّمل ، تلعبُ ، تجري ، تسقطُ كثيرًا ، لكنّها تقفُ وتعاودُ الجريَ مجددًا و كأنّ شيئًا لم يكن .. فتتسع ابتسامتي أكثر .. وأكثر..  وأكثر ..

تمدّ الشّمس ظلالها الذّهبية على الموج ، فتقشعرّ روحي وأنا أراها ، كأنّي في حلم ! ، ولا أحدَ يملكُ قرصي ليوقظني من جماله الآسر ، وكأني جزءٌ من لوحةٍ كبيرةٍ عظيمة ! ..

تركتُ أختي بعيدةً عن الشّاطئ – تخاف اتّساخ حذائها ! -  ، وسألتها أن تنتظرني ، وددتُ أن أبلّلَ يديّ بماءِ البحر ورمله ، هنيهة ، بللتُ يدي ، ثمّ هربتُ من الموجة الصغيرة ، يدي كانت تلمع بخفوت ! فكررتُ الأمر ثانية وثالثة ورابعة ! ، كم كنتُ أتمنى أن أبلل كلّ ملابسي ! ، كم كنتُ أتمنّى وأختي أن نرجع أطفالا ، هاربين من عنان أمنا ، نبلل ملابسنا بالمياه ، كل ملابسنا ! ، نتلقّى تأنيبًا وصفعتين ، نبكي ثمّ نضحك ! ، لأنّنا حقّقنا بغيتنا رغم كلّ شيء ! - حتى وإن أصبنا برشحٍ قويّ ! - ..

نجلسُ على كرسيّين متجاورين ، نمدّ أرجلنا ، نرى السّماء كيفَ تتدرّج ألوانها من أزرق غامق ففاتح فبرتقاليّ ، المنظرُ مهيب ، وكأنّ وجود هذه الألوان منطقيّ ! ، نشاهد الشمس كيف تغرب ، وكأنّها تتسلل ! ، أصبحنا نتساءل ! ، أين تقع الجهة الأخرى ؟! ..

رحلنا إلى عسقلان ، اسدود ، عكا و يافا و حيفا ، فصيدا و لبنان ، فقبرص ، وصقلية ، فإيطاليا ، زرنا العالم بخيالٍ وحفناتٍ من الأمنياتِ .. بالسّفر ..

" وأخيرًا " ..
قلناها بملء أفواهنا ، بعدما حلّ موعدُ الرّحيل ، ودّعنا البحر ، متسائلتَين !
" متى سيكون موعدنا القادم ؟! ، أتُراه بعيد ؟! "
 ______________________________________________
على الهامش : هذه التدوينة للذكرى ، لأيّامي السعيدة ، التي قضيتها في هذا العيد ، لكم أنا فَرحَة ، أشعرُ بالكثير من الأشياء الجميلة .. الحمدُ لله .. حقًا ..

 dodo , the honey
دُعاء محيسن

25 أكتوبر، 2012

عيدًا سعيدًا !



  تداعبني الستارة المخمليَّة ، تنثرُ شعري على عينيْ ، فأبقيهِ مُسدلًا ، لا أُبعده ، إنّها هديّةُ الرّياحِ إليَّ ! .. النّافذةُ تمتدُّ على يميني وكأنّها بلا نهاية .. كالسَّماء .. كبابِ قصرٍ هائلِ الحجم .. مُفتَّحةٌ أبوابُ السّماء ، تمدُّ إليّ يدها ! ، تناديني "هلُمِّي!" ؛ أضمُّ كلتا يدي إلي صدري ، فأسمعُ وقعَ خطواتِ قلبي !

يهرب ؟! .. ينتفض ؟! .. أم ماذا ؟!

  تتناثرُ السُّحب ، تعلو كلَّ شيءٍ ، حتّى حلُميَ المخرَّمَ الومّاض ، لا شيء يؤنس وحشةَ الوحدةِ غير السّماء ، السُّحب ، وأشكالها التي تشبه تقاطيعَ وجوهٍ لم أرها ، أشياء غير موجودة .. أيقصرُ الخيالُ عن الأخذِ بأيدينا تجاه عالمِ الغرباء و الإسفَنج ؟! .. تجاه السّطوحِ النّظيفةِ ، والبياضِ الذي يبدو بأفْقٍ و لا يبدو ! .. أغرقُ داخل المتاهةِ البيضاء ، وأحلاميَ الزّرقاء ، وبياضٍ ليسَ لنصاعتهِ نظير !

 حلّ العيد ، إنّه العيدُ الرّابع الذي يحلُّ على مدوّنتي ، إنّي لأسأل الله أن يكونَ عيدًا سعيدًا ، فتحلَّ على قلوبكم سعادة سرمديّة ، لا تفارقها..



dodo , the honey
دُعاء محيسن

 

15 أكتوبر، 2012

على حين غفلة ! .. قصّة قصيرة ..



  صدى صوتِ قدميه يتردّدُ في المكان ، و هو يصعدُ الدّرجةَ إثرَ الأخرى ببطء شديدٍ ، يضعُ قدمًا ثمّ يتوقّفُ هُنيهةً و كأنّ وضعَ القدمِ الأخرى يحتاجُ منه إلى تفكيرٍ ؛ فيُتْبِعُها بالأخرى في حذرٍ كبيرٍ .. وصلَ بابَ شقّته و أخرجَ المفتاحَ الذهبيّ الخاصّ به ، ثم تناول الآخر من جيبه ، أصبحَ يملكُ من المِفتاح نسختين قبلَ أيامٍ ثلاثة ، تطلّع في نسختيّ المفتاح ، مُحاولًا أن يعرفَ أيّهما كان ملكًا لها ، لكنّه فشلَ للتطابقِ الشَّديد بينَ المِفتاحين .. لا خدشَ ، لا علامة تهديه ليُبصرَ أيّهما كان خاصًّا بها ..وضعَ أحدهما في قفلِ البابِ و لفّه و هو يتمعّنُ بدقةٍ استجابةَ البابِ الخفيفة .. دخلَ الشّقة المُعتمة ، و تحسّسَ مكانَ مكبسِ الإضاءةِ على الحائطِ و كأنّما نسيَ مكانه الذي لم يتغيّر مذ وعى حقيقة وجودهِ ككائنٍ حيّ ! .. بعد لحظاتٍ من البحثِ المُتعامي وجدَ المكبسَ فضغطه بحذرٍ ، و أغمضَ عينيه اللتينِ لم تُطيقا النّور الباهرَ الذي غمرَ المكان دفعةً واحدةً ، ثمّ فتحهما بتراخٍ بعد تأقلمهما ، مشى مُترنّحًا بينَ الأوراقِ المُتناثرةِ في كلّ مكان ، واضعًا يدهُ على رأسه خشية أن يسقطَ أرضًا قبلَ أن يُدركَ ، جلسَ على مكتبه الخيزرانيّ بتثاقلٍ ، و بدا كرجلٍ آخر ، لا يُشبه في شيء صوره المكدّسة بحرصٍ في الدّرجِ أسفل منه ، عيناه غائرتان ، كأنّهما عينا رجلٍ ميّت ، و جلدُه التصقَ بعظامه فبدا كهيكلٍ عظميّ مقوّسِ الظّهر ، وضعَ وجهه بين راحتيه الكبيرتين ، و أجهشَ بالبكاء ، بكى.. بكى كما لم يفعل من قبل ..

  لا .. هذه المرة لم تخسر شركته أسهمها و تُلاحق قانونيًّا بعشراتِ الدّائنين ، لا .. هو لم يفقد وظيفته و يرمَ خارجًا خاليَ الوفاضِ ، لا .. لم يتشاجر مع ابنة الجيران الجميلةِ و يضربها ثم يبكي ، لا .. لم تُكسر لعبته الجديدة ، لا .. لم يُضع مصروفه في طريقه إلى المدرسة ، لا .. لم يتكاتل عليه فتيانُ الصفّ و يُشبعوه ضربًا ، لا .. لم يقع إصبعُ الحلوى السكّريّةِ الزهريّ أرضًا و يتلوّث بالرمالِ و الغُبار ..

  لا .. لم يحصل أيٌّ من ذلك مجددًا ، لقد كانت بجانبه دائمًا ، في الصّورة ، ترفع ذقنه بيدها ، تطلبُ منه النّظر صوب عينيها مباشرة ، فيترفَّعُ هُنيهةً ثم ينصاعُ للأمرِ ، ينظرُ لعينيها الواسعتين اللامعتين ، يلحظُ ابتسامتها الخفيفة ، و التجاعيد التي تحلَّقت حول عينيها ، فيبتسم ، و يمسكُ يدها ، و يضحك ! .. ينسى اللعبة المكسورة ، الخدوش غير الملتئمة ، و ينسى إصبع الحلوى ، يعودُ طفلًا فقط بين يديها ، مُحتاجًا لقصَّةِ ما قبلَ النّوم ، و قبلةٍ خفيفةٍ على جبينه ليستشعرَ أنّه ملكُ العالم أجمع ! .. لكن لا ! .. ليس هذه المرّة ، هي لم تكُن في الصّورة .. لم ترفع ذقنه ، لم تمسح عبرته ، لم تكُن معه ... رفع رأسه عن الطّاولةِ ، ثمّ تطلّع أمامه مباشرةً دون أن يزيغ بصره أو يهوي به قيدَ أُنملة ، إلى العدمِ تطلَّعَ ، ثمّ تمتمَ بخفوتٍ شابَهُ الألم :

-          أبهذه البساطةِ ترحلُ الأمّهات ؟! ...

 _________
هامش : هذه القصَّة ليعلم مَنْ لا يعلم ، كم تمثّلُ أمي بالنسبةِ لي ، إنها "حياتي " ، بها حياتي قطعةٌ من الجنّة مهما اشتدّت الصّعاب ، مهما كثُرت الهموم ، و مهما تكالبتْ عليّ الحياة ، و بدونها حياتي جحيم أسودٌ .. اللهمّ احفظها لي ، و أدِم رحمتكَ عليّ بوجودها ، و لا تجعلني ممن يتعامون ، فتهتزّ بهم الأرضُ مرتين ... دعواتكم ..

العاشر من أكتوبر 2012

dodo , the honey
دُعاء محيسن