29 نوفمبر، 2012

مذكراتٌ من أيّامي ..

الرابعة فجرًا ..
أملّ الرّكودَ في الفِراشِ ، فأنطّ فجأة !
أتّجه نحو النافذةِ ، أفتحها عن آخرها ،
أطل على الشّارعِ العام ، لا حركة .. يتناهى إلى مسمعي أحيانًا أصواتِ قطط !
أخمّنُ أنّها تبحثُ عن دفء وربما عن طعام ..

لا أرى القمر !
أتّجه إلى المطبخ ،
أملأ كأسًا كبيرةً بالماءِ ، وأستمتعُ برشفها مع فتحي الشرفةَ الخارجيّة ، والنّطر إلى القمر !
يداي أصبحتا كقطعتين من الثلج !
آخخذُ تفّاحة ، وأذهب إلى شبّاكِ الغرفةِ الشّمالية ،
أستمتعُ بالقمرِ ومنظره المتوسّطِ بين نجمتين ،
أستمتعُ بمشاهدةِ نجمتي !
تبرقُ ، كأنّها تقول لي " هلمّي ! "
" لا زالَ الوقتُ مبكّرًا جدًّا بعد " .. أجيب ..
وتشتعلُ الرّغباتُ في صدري ..


أقضمُ من التّفاحةِ وأراقبها تصغرُ إلا أن تيتبقّى قلبها الطوليّ ببذوره ذات الشكل الجميل ،
أضعها جانًا ..


أنتظرُ الأذان ..
أستمتعُ بتحوّلِ الكونِ بأكمله إلى مردّدٍ للأذان ..
أردد .. وأبتسم أكثر ..

هكذا أيّامي ..
نصيحة .. السعادةُ تنبعُ من الدّاخل .. بينما الاستمتاع يأتي من الخارج ..
استمتعوا بحياتكم قدر استطاعتكم .. وكونوا .. "عظماء" ..


دُعاء محيسن
dodo, the honey

22 نوفمبر، 2012

غزّة .. وذاكرةٌ لا تلتئم ..

   في الرابع عشر من هذا الشهر 14 – 11 – 2012 ، الموافق الأربعاء كان يتوجّبُ لقناديلِ الفرحِ أن تُسرجَ في قلبي فلا تنطفئ .. في ذاتِ اليوم الأوّل لبدء الاعتداءات واغتيال القائد أحمد الجعبري كان حفل الإعلان عن الفائزين بمسابقة المجموعة القصصية التي عقدتها رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين ، حيث شاركت فيها ونلت المركز الثالث ، لكن الأمور تمّت بسرعةٍ ، حصلتُ على سعادةٍ أقلّ بكثيرٍ ممّا كنتُ أحلم به .. أخبرتُ صديقتي فجر الخميس التالي بأنّ قنديل الفرح في قلبي تحوّل إلى رماد ، لكنّها كانت أكثرَ حكمةً منّي بكثير ، أخبرتني بأنّه لا يغدو رمادًا بل يتأرجح بين الضَّعفِ والقوّة .. وقد كان ..

  إنّ الحديثَ عن الأيّام السّابقةِ يستتبع الحديث عن الخوف ، وفي ذات الوقتِ عن الفخرِ والاعتزازِ ، عن الصّمود ، عن القدرةِ على مواجهةِ المخاوف ، يمكنُ للمرءِ في أحيانَ كثيرة أن يقلب الموازين رغم كلّ شيء  وأن يُحيل الخوفَ أمانًا والبكاء ضحكاتٍ لا تنتهي إلا لتبد ، ولا تبدأ إلا لتستمرّ ..

  سأكونُ كاذبةً إن ادّعيتُ أنّي لم أكن خائفة ، ذلك أنّي كنتُ خائفةً بالفعل ، ولذلك كنتُ أجدُ أمانًا كبيرًا في نومِ أختي بجانبي ،

  أخالُ أن الكيان الصهيوني لم يكن الوحيد الذي تفاجأ بإنجازِ المقاومة الفلسطينية وقدراتها التي تطوّرت إلى حدٍّ تفاجأ معه الفلسطينيون أنفسهم ، لقد تفاجأ العالم كلّه ، وأستطيع القول بأنّي أفتخر بكوني فلسطينيّة ، لأن المقاومة استطاعت أن تظهر قوتها وصمودها وقدرتها على ردع الاحتلال الظالم .. لقد نططنا وقفزنا وهللنا في أماكننا يوم وصلت الصواريخ إلى القدس ، لم نكن قادرين على تصديق الصور التي رأيناها بأمّ أعيننا ، ولربما الفرحة العارمةُ هي التي جعلت الأمر عظيمًا وأكبر من أن يُصدّق بتلك السهولة ..

تصل الصواريخ تل أبيب ، وكوفيم ومستوطنات تبعد أكثر من 80 كيلومترًا عن قطاع غزّة ، ونحنُ لا نزالُ في غمرةِ الأحداثِ نزدادُ تصفيقًا للمقاومة التي أبهرتنا في كلّ يومٍ بشيءٍ جديد ، تسقط طائرة ، ثمّ أخرى ، ونزيدُ من التحميد والتهليل ..

هذه هي الأعياد !
وما أظنّ أنّي فرحتُ فرحًا في عيدٍ كفرحي بهذه الأيّام ، يحقّ لنا أن نماثل أساطير اليونان والرومان ! ، أين هو آخيليوس وهكتور ؟! ، لو رأى هوميروس صمود شعبٍ مثلنا لأعلن أنّه فاشل .. غزة هي إلياذة هذا القرن ..

على الرّغم من كلّ شيءٍ ، فإنّ الحربَ تعطي للمرءِ دفعةً ليعيشَ حياته باندفاعٍ أكبر ، تستطيع الحروب أن تغيّر نظرتنا تجاه الكثير من الأشياء ،  وعلى إعادة النظر في زوايا تجاهلناها .. يرجعُ للحياةِ طعمها الذي افتقدناه مع تآكلها شيئًا فشيئًا بفعل الروتين الموهن ..

أدركتُ جمالَ العائلةِ أكثر ، عندما تجتمعُ على ذاتِ المائدةِ ، وعندما يغدو كلّ فردٍ من أفرادها محللًا سياسيًّا ! ، ونتبارى في تحليل ما يحدث ، وما سيحدث !

كنتُ أردّدُ بحاجتي لإجازةٍ من وقتٍ طويلٍ !
كنتُ قد مللت المدرسة ! .. ومللت الروتين الذي حشرتُ نفسي فيه ، حاولتُ الخروجَ عنه ، ولم أفلح ، كنتُ أقلّ اندفاعيّة ..
أتت الحرب لتعيد تشكيل الكثير من المفاهيم مجددا ،
أعرفُ أنّي سأكونُ قادرة على القضاء على متلازمة الروتين إن شاء الله ..

لا زالت دعاء هي دعاء .. ولا زلتُ الطفلة ذاتها ، رغم أنّي لا أصدّقُ أحيانًا أنّي في آخر مرحلةٍ دراسيّة ، أنّي أصبحتُ في السادسةِ عشرة ، وأنّ العامَ القادم سيحملُ تغييراتٍ كبيرة ..

أعرفُ الآن أنّي أقوى .. وأنّي أستطيع المضي قدُمًا بلا وجل ..
إن الآتي أفضل ، والأيّامُ الأجملُ هي تلك التي لم تأتِ بعد .. إن شاء الله ..

 دُعاء محيسن
dodo, the honey

19 نوفمبر، 2012

كأس البوظة .. قصّة قصيرة ..



      العم أيمن هو بائع البوظة في حارتنا ، هو هو منذ كنتُ في مدرسةِ الحيّ الابتدائيّة ، ولا يزالُ بائع البوظة إلى الآن ، حتّى بعدما تزوّجتُ وأنجبتُ اثنين من الأولاد ، لا يزالُ بائع البوظة ، لا زلتُ أذكرُ كيفَ كان الصيفُ والربيع والخريف موسمه ، يظهرُ كلّ يومٍ ؛ جارًّا عربته الصّغيرةَ أمامه ، ضاغطًا على البوقِ الأصفر - ذلك الشيء الذي كنّا صغارًا يستهوينا سماعُه ، ويذهلنا صِغَرُ حجمه ، وصوته المرتفع - ، أستذكرُ كيف كنّا نستميلُ العمّ أيمن ليدعنا نجرّب الضغط عليه ، شكله المطاطيّ الطريّ مغرٍ بالتجربة .. ضغطةٌ صغيرة ، وينبعثُ منه صوتٌ عالٍ يخترقُ الأسماع .. أستذكرُ كيف كان الشتاء عدوّه اللدود ، فيختفي عن الأنظار ، ونعودُ نحنُ الصغار نردّد أهازيج الشتاء والمطر بحبّ ، ممسكين أيادي بعضنا البعض ، هازّين أرجلنا ، فنرتفعُ عن الأرض ، ثم تغوص أقدامنا في الطين اللزج ،  لا يثنينا شيء عن ذلك ، حتى معرفتنا بأن صفعتين أنيقتين تنتظراننا عند باب البيتِ بعد آثارنا الطينيّة ! .. صفعتان .. ونعاود الكرّة من جديدٍ ! .. لا يزالُ صوتُ تلك الأغنية التي توارثها الأطفال جيلًا عن جيل في ذاكرتي :
" روّحنا بدري والدنيا بتشتي .. "
" يا رب تشتي يا رب ! "

-          يا رب !
أدعو مُتبعةً دعائي بتنهيدة طويلة ..

     الأوراق تسَّاقطُ بكثافة – كدليلٍ على أنّ الخريفَ مرّ من هنا هذا العام - يريد الخريف أن يقنعنا بوجوده ! - ، على كلٍّ إنّه على وشكِ الرّحيل ، والأرضُ توشّحت بثوبٍ طينيّ ، والرياح تزأر كأسدٍ جائع ، بينما تمسكُ السّماء حبّاتِ المطر من الانزلاق والهرب إلى الأسفل ، وأنا أسير بينَ كلّ ذلك شاعرةً بالخواء ، أصواتٌ كثيرةٌ تدقّ داخل رأسي ، وصوتُ صفّارةِ عربةِ الطوارئ تدور متخبّطة بين جدران عقلي ، أشاهدُ من بعيدٍ أطفال الحيّ يغادرون المدرسة ، يمسكونَ أيدي بعضهم البعض ، يرتفعون بأرجلهم عن الأرض ، هازّين جذوعهم ، متمايلين ، تكادُ ضحكةٌ تفرّ من بين شفتي المُطبقتين على الوجع المتسمّرِ ورائي ، لم يأتِ العمّ أيمن هذا اليوم ، لقد باع البارحة آخر كأسٍ من البّوظةِ ، باعها لي وأنا عائدةٌ من العملِ ، نَسيني ، لكنّي لم أنسه ، ضحكتُ له وقتَ اشتريتُ البوظة منه ، فابتسمَ بيأسٍ ، أذكرُ أنّي قلتُ له :

-          لا تزال البوظةُ كما عهدتها ، لذيذة مُنعشة !
-          هه .. أنتِ محظوظة إذن !
-          محظوظة ؟! .. لم أفهم ، هلّا أوضحت ؟
-          أنتِ آخر شخصٍ يشتري مني البوظة لهذا العام ..

  نعم يكاد الشتاء يحلّ – نهاية الخريف ، أو... لا فرق ! - ، لكنّي لم أبتسم ، ولم أشعر بأنّي محظوظة ، راقبته وهو يبتعدُ ، يجرّ عربته الصّغيرة ، لكنّه لم يضغط البوق الأصفر الذي تعرّض للصدأ وتغيّر شكله ، مِشيته التي توحي بالضّعف ، وظهره المقوّس كهلال أوقفاني عن متابعة غيرهما ، تابعته بعيني ، إلى أن وصلَ الأفق ، ولم يتبقّ منه إلا نقطةٌ سوداء ، انتبهتُ وقتذاك إلى البوظة التي أصبحت كعصير الفواكه ، لم أرمها ، وضعتها داخل الثّلاجة ، حيث تنتظرني لأشعرَ وأنا أمسكها من جديد بأنني محظوظة حقًّا ..

    لا يزالُ صوتُ صفّارة عربة الطوارئ يدقّ داخل رأسي ، وصورٌ متشابكةٌ تتحلّق حول عيني مانعةً إيّاي من الرّؤية ، صورة العربةِ المحطّمة ، شريط الدّم الأحمر على الأرضِ ، وصوتُ صفّارة عربةِ الطوارئ من جديدٍ ، أتوقّف .. عند ذات المكان الذي اشتريت منه البوظة من العم أيمن قبل أيّام ، ويراودني يقينٌ .. بأنه كان بأنّه كان محقًّا ..

الأربعاء
31 – 10 – 2012
12:51 م
 dodo, the honey
دُعاء محيسن

15 نوفمبر، 2012

كان يتوجب أن تسرج قناديل الفرح البارحة فلا تنطفئ ..
 فإذا بها قد انطفأت فجأة ، وأحيلت رمادًا ..
تقول صديقتي بأنّها لا تتحوّل إلى رماد ، هي فقط تتأرجح بين الضعف والقوّة ..
علمت كم كانت نظرتي قاصرة ..

خُذ نبضتين ..
خذ قُبلتين ..

وَ دَعِ الأماني الباهتات ترتعُ !