31 ديسمبر، 2012

وداعًا ! ..

إنّه الحادي والثلاثون من ديسمبر ...
إنّه النّهاية ...
الودَاع ...

قبلَ عامٍ كاملٍ كتبت :
وداعًا عام المفاجآت .. وداعًا عام ألفين و أحد عشر ! ..

تمنّيتُ أن يكونُ العام الجديدُ أجمل وأبهى ،
وأن يحملَ لي مفاجآتٍ أجمل ...

كان عامًا جميلًا ..
من الخطأ الوقوفُ على حافّةِ العامِ وسؤال أنفسنا : "ما الذي اختلف عن العام السابق وما الإنجازات التي حققناها ونفخر بأننا فعلناها"
لأنّ العام القادم قد لا يعطينا هذه الفرصة !
لأنّه ببساطةٍ على أيّامنا أن تكونَ الأخيرةَ دومًا ،
يقال بأنّ السلف كانوا إن قلت لهم : "هذا يومك الأخير !" ، ما زادوا في عملهم شيئًا !
ذلك لأنّهم يعيشون بهذا المنطقِ ومن هذا المنطلق ..

وقوفًا على حافّةِ العام الثاني عشر من الألفيّةِ الثانيةِ ،
لا أملكُ غير أمنيّة واحدةٍ هذه المرّة ..
أريدُ فقط أن يعيش الناس أيّامهم على أنّها الأخيرةُ في كلّ مرة ..
بهذه القيمةِ وحدها يمكنُ لوجهِ البسيطة أن يتغيّر ..

إذا بلغ المرءُ ستّينَ عامًا
فنصفُ العمرِ تمضيه الليالي
ونصف النصف راح ليس يدري
وباقي العمر هم واشتغال ..

يقول الجاحظ :
أتحسب أن تكون وأنتَ شيخ كما قد كنتَ أيّام الشّبابِ
لقد كذّبتك نفسك ليس ثوب قديمٌ كالجديد من الثياب ...

الحياةُ قصيرة ، ولكنّها متعة ، إن عرفنا الخيّر والجيّدَ في كلّ شيء ..
في النّهاية .. من رضي فله الرضا .. ومن سخط فعليه سخطه ..

أطيبُ الأمنياتِ بعامٍ سعيدٍ ،
ننالُ فيه رضا الله .. ويزيدُ رصيدنا من الأعمال الصالحة ،
لعلّ ....

dodo,the honey
دُعاء محيسن

26 ديسمبر، 2012

السّماءُ و الأرض (صورٌ مشتّتة ، أحداثٌ مُقتَطَعَة، متقطِّعة) ..



   البابُ الحديديّ يُفتح ، والسَّلاسلُ التي تُحيطُ به تُزال شيئًا فشيئًا ، خرج صوتُ الصَّرير يخترقُ المكان ، فانتبه الجميع ، واعتدلوا في أماكنهم ، هنالك شيءٌ مُستحدث ، ليس من عادةِ البابِ أن يُفتح في مثلِ هذا الوقت ، خيوطُ الشّمسِ الأخيرةُ تبرزُ من الشّباكِ الصَّغيرِ المُحاطِ بأعمدةِ الحديد ، وهذا موعدٌ لم يعتد فيه السّجناء فتح الباب الكبيرِ ، لا بدّ أنّ هناك شيئًا ما ! ، كانت هذه الفكرة هي ذات التي طرقت عقول جميع السّجناء ، فانتبهت حواسهم لتلتقط المُستجدّ - تصبحُ الأخبار في السّجون أشبه بالطّعام !

   كانت اللحظاتُ أطول ممّا ينبغي ، عنادُ الحارسِ وقفَ أمام قوةِ الأقفال المنيعة ، وأخيرًا ؛ انتهى الحارسُ الأشقرُ من حلِّ القفل ، فقفز السّجناءُ من أماكنهم وقد تحفّزت كل ذرّةٍ في أجسامهم ، علّمهم السجن الكثير ، وطوّر من حواسهم ، وبحاسّةٍ ما كانوا مُتيقِّنين أنّ في الأمر جديدًا .. وعلى الرّغم من أنّ الشّباك الصّغير المُسوَّرَ في كلّ غرفةٍ لا يسمحُ إلا بمساحةٍ صغيرةٍ جدًّا من الرّؤية ؛ ولعددٍ محدودٍ جدًّا من الأشخاص ؛ فقد استطاع السّجناء التحلّق برؤوسهم حوله ، وفي وسع كلِّ واحدٍ منهم أن يحصل على ذات القسط من المُتابعة ..

  فُتح البابُ على مصراعيه - بابٌ ضخمٌ - ، وتسلّلت بقايا من أشعة الشّمسِ لتغمرَ المكان المُعتم .. رافعًا رأسَه ، خفيف الخطو ، مقيّد اليدين والقدمين ، مُحاطًا باثنين من الحرّاس ضِخام الجثّة ، ولج ، بخطواتٍ هادئة ، وكأنّ هالةً من رهبةٍ أحاطت به ، كان وجهه نحيفًا ، مكشوف التقاطيع ، له لحيةٌ قصيرة غير مشذبة ، وشاربٌ كثّ ، عيناه سوداوان واسعتان ، وخصلةٌ من شعره الأسودِ انتثرت عليهما ، على فمه شيءٌ أبدو بابتسامةٍ – أكانت ابتسامةً حقًّا ؟! - ، عيناه بدتا شاردتين ، غير مُدركتين لما يجري حولهما ..

   عشراتُ العيونِ المُشفقة تابعت الشّاب وهو يعبرُ الممر .. عيونٌ مُشفقة ؛ لأنّهم كانوا يعرفون بأنّ مكان هذه الزّهرةِ ليس هنا ، مكانها حيث الخارج ، العالم ، والحريّة ، مكانها حيث الشّمسُ والهواء الرقيق الذي يداعب بتلاتها بعذوبة ..

    لم يزغ بصر الشّاب – الأسير الجديد - ، ظلّ رافعًا رأسه ، على الرّغم من العنت الشديد الذي يبدو عليه ، ولم يصدّق السّجناء ما حدث بعد ذلك ، فلأوّل مرّة إذ بهم يشاهدون أسيرًا حديثًا يُوضع مِنَ البداية في غرفة الموت البطيء -السّجن الانفرادي- ، سرت قشعريرةٌ باردة في أجساد البعض ، أولئك الذين ذاقوا صعوبة السّجن الانفرادي ، وابتلع (ازدرد) أولئك الذين لم يتذوّقوا بعد تلك المرارة ريقهم ..

   أمسك أحدُ الحارسين بالشاب بينما فتح الآخر الباب ، وقذفاه بعنجهيّةٍ للداخل ، ثمّ أغلقا عليه الباب ..

-         إلام تنظرون أيها الـ .... ؟!

 صرخ أحد الحارسَيْن في الوجوه الواجمة خلف الشبابيك ، بيد أنّ السجناء لم يحركوا ساكنًا ، تحرّكوا وحدهم ، وكأن لا أحد هناك .. ليس في قلب أصغر السّجناء ذرّة خشيةٍ من الحرّاس الشّقر الأغبياء ، ضخام الجثّة ، خفيفي الألباب ..

   كان شعور الشفقة الذي حلّ في وجدانهم في الوهلة الأولى لرؤيتهم للفتى قد استحال إعجابًا ! ، على الرغمِ من أنّ أيًّا منهم لم يكُن يعرف قصّته ولا أيّ شيءٍ عنه ، إلا أنّهم كانوا يعرفون .. جزءًا من الحقيقة .. جزءًا بسيطًا .. جدًّا .. يخوّلهم ليسبحوا في مجاهل الخيال ..
الخامس من نوفمبر

2
  هم لا يعرفون ، لكنِّي أعرف ما حدث بالضبط وما قذف بالمسكين إلى هناك ، لقد فعلها أخيرًا بعدما استبدّ به الشّعور بالعجزِ والخوار ، بالتَّأكيد طعن أحدهم وأرداه قتيلًا فجُنَّ جنونهم ، وهو هنا ليقضي آخر أيَّام له بينما يعدّون للمسكين محضرًا ممتازًا ، ويرتّبون له سجلًا مملوءًا بالسَّوابقِ ، وعلى أقلّ تقديرٍ لن يُعدموه ، بل سيقضي بقيَّة حياته تحت الأرضِ ، لن يُطيق – لكن يجب عليه أن يفعل ، فليس يملك الخيار - .. لن يزوره أحدٌ - وسيختلقون لمن يريد ملايين المبرّرات ؛ إن كانوا يحتاجونها أصلًا - ، أمّه ستبكي عليه كلَّ ليلةٍ – لكن من سيسمعها ؟! - ، إنّها تزغردُ أمامَ الكاميرا مذ بلّغوها خبر اعتقاله مسبوقًا بسببه.. زوجته لن تترك البيت ، لأنّه ترك لها جزءًا من روحه لتطوف هناك وتحيط بها ، هي تشعر بذلك ، ولذلك لن ترحل تاركةً روح زوجها وحيدة.. ابنته الصَّغيرة لن تبكي ؛ بل ستضحك كثيرًا ، لأنّ أمّها والجميع سيختلقون آلاف القصص المضحكة عن غيابه ، ستسألُ كثيرًا ، لكنّها ستجدُ أجوبةً مراوغةً .. ستنتظر الحلوى ، والدّمى المحشوّة التي خلقوها لها في عين الخيال ، والتي ستنتظرها لسنواتٍ دون أن تسأم ، وحتّى إن كَبُرت ووَعت ، ستنتظر .. كلّهم في الحقيقة سيفعلون ...
السادس عشر من نوفمبر

3
في الغرفةِ ذاتِ الجدران الأربعةِ العارية ، حيث لا يفصلك عن الحياة غير بابٍ ! ، حيث تنضوي تحت أجنحةِ الوحدة الكبيرة ، مقرفصًا ، ضامًّا جسدك إلى بعضه ، يمكنكَ الإقرار بأن الحياة تقبع هناك ، لكن في صورة مختلفة ، فحسب !
الثامن عشر من نوفمبر

4
دخلوا عليهم والليل يبدأ رحلته اليوميّة ، المسكينة ، لقد كان آخرَ أملٍ لديها ، أخذوه منها ، أخذوه من بين يديها ، بعدما كانوا قد أخذوا من قبل أباها وزوجها ، ضربوها بكعبِ بنادقهم على وجهها ، هي تصرخ – بالأحرى تحاول وسط دموعها أن تفعل ، فلا يخرجُ غير صوتٍ مبحوحٍ ونشيجٍ مكمَّم - ، شتموها أمامه ، وقع خمارها عن وجهها ، فتضاحكوا ، بكت ، ثارت ، فضربوه أمامها وشتموه ، واقتادوه ، لا يعلمُ هو أو أمّه لذلك سببًا ، ربما لأنّه تجاوز حظر التجوال المفروض بعدّةِ دقائق ، ربما لأنّه رفع علمَ فلسطين أعلى البيتِ ، ربما لأنّه ندّد بالاحتلال ذات عشيّة ، ربما لأنّه قال "فلسطين حرّة ، والقدس عاصمتها الأبديّة" ، ربما لأنّه سار في جنازةِ قائدٍ اغتيل فجاءةً وسط ملاعبته أبناءه ، ربما لأنّه شابٌّ فقط ! ، لا غير ! ، والشباب هم أعداء البومة المشئومة ، الملتحفةِ بالسّواد ، المكنَّاةِ باسمٍ لا يجوزُ تداوله ! ، إلى هنا اقتادوه ، وسجنوه .. وليس سَجنه إلا ليضيِّقوا عليه نفسه .. بعدما ضاقت عليه الأرضُ بما رحبت ، هو .. وآخرون كُثُرٌ من نظيريه ..
التاسع عشر من نوفمبر

5
في مكانٍ ما ، حيث يمكنكَ أن تشهدَ الشّروق ، شروقَ الشّمس ، وقبلها بلحظاتٍ تلوّن السحاب بالوردي الباهت والسماء بالأزرقِ ، وتكتفي برشفِ الشّاي و التسلّي بقراءة مجلّةٍ ما دونَ أن تعير المشهد حسًّا ، عليك أن تدرك أنّه في مكانٍ آخر ، تغدو هذه اللحظاتُ العاديّة بالنّسبة لك مُتعة مُشتهاة لآخرين يقبعون وراء أبوابٍ من العاج ..
الثامن عشر من نوفمبر

6
عندما جاؤوا إلينا بجثّته ، كان جسده مغطًى بقماشٍ أبيض ، أخفى تقاطيعه تمامًا ، ولم يسمحوا لنا بتقبيل جبينه كما كان معتادًا ،  شعرتُ بأنّ القماشة البيضاء التي غطّي بها على عجل أو خجل كانت تلومنا ، فشعرتُ بوخزٍ في قلبي .. أدار الجميعُ وجوههم ، وبدت وجوههم شاردة ، وكأنّ على رؤوسهم الطير .. الكل كان مرتبكًا ، ربما لأنّ البعض لم يستطع أن يتصوّر جسد "عبد القادر" وقد نالت منه الضرباتُ واللكمات ، لم يستطيعوا تصوّر جسده وقد غُطِّيَ بالندوب والجراح ، وربما ازرقّ بعد أن تجمّدت أطرافه في هذا البرد الشديد وهم يصبّون الماء عليه ، وهو يأبى ، ويتمنّع .. سرت في جسدي قشعريرة ، وشعرتُ أنّي بحاجةٍ لالتماسِ شيءٍ من الدفء ..

يوم اقتادوه للمرةِ الأولى عادَ بوجهه المَرِحِ ترفّ على ثغره ابتسامةُ ظَفَر ، وفي المراتِ التي تلت تلك المرة بدأت تلك الابتسامةُ تتلاشى ، لا لأنه استسلم أو أحنى هامته وخضع ؛ بل لأنّ الكدماتِ – والحروق بعد ذلك - في وجهه أصبحت تغشي وجهه وابتسامته ؛ فلا تعود قادرًا على تمييز ابتسامةٍ عريضةٍ مِنْ حزنٍ عميقٍ مختبئ وراءه ..

رغم أن الشاة لا يضير سلخها بعد ذبحها ؛ إلا أنّهم لم ينتهوا بعد ، سيعذّبون ذويه ، سيعلّلون موته بصدمةٍ أو سكتةٍ أو شيء مماثل ، ولربما يرفضون تسليمهم جثّته .. – ما يضيره .. لكن ذلك يضير كثرًا - .. هذا ما سيفعلونه على أقلّ تقديرٍ ..

"عبد القادر" أسطورة .. فليذهب عشتار وآخيليوس وهكتور وهوميروس إلى الجحيم ! .. لن يملك أحدهم يومًا أن يتصوّر كيف يمكنُ للمرءِ أن يُضحّي بروحه من أجل الوطن ! .. أولئك الأشخاصُ لم يكونوا غير أساطير حِيكت لأنّ النّاس لم يجدوا في زمانهم أبطالًا وحكاياتٍ تستحقّ أن تُروى ! ، فاخترعوا ما لم يكن له وجود ! .. وها هو "عبد القادر" أسطورة تتكرر كلّ يومٍ في سجون البومة السوداء .. لكن .. من سيروي ؟! ..

لا زلتُ في غمرة رحيل "عبد القادر" ، ربما لأنّه كان أقرب سجينٍ إلى قلبي ، معًا رمّمنا تداعيات الماضي ، فتحنا جسورًا إلى المستقبل .. كنّا زميلين وقعا تحت ذات اليد ، وصديقين تكاتفا ، وشقيقين تربين ..

"عبد القادر" كابر حتى النّهاية فعلًا .. وقد كانت نهايته نهايةً تليقُ بعنيدٍ .. ببطلٍ !
الخامس عشر من نوفمبر


dodo,the honey
 دُعاء محيسن

7 ديسمبر، 2012

شيءٌ من حظٍّ .. و ربما – أكثر ..

   كان يوم الإثنين مُختلفًا عن أي يومٍ آخر ، ليسَ في ذات الأسبوع ، و لا في تلك السنة ، بل في حياتي ..  أذكرُ ذلكَ اليومَ و كأنَّ أحداثه ماثلةٌ أمامَ عينيّ ، حقًا لقد كانَ يومًا مُختلفًا ، بدت الشمسُ مصبوغةً بلونٍ كرميديّ ، كان لها ذلك الشّعاع المذهل الذي يعمي المرء عن رؤيتها ، و يجعلهُ يتوسّط ضلعًا هشًّا من الحَيرةِ و آخرَ من الحَيرةِ أيضًا ،  ، لم يُتح لي يومها رؤية كل ذلك الجمال الأخَّاذ ، فقد وقفتُ وسط الخيمة واضعةً يديّ فوقَ رأسي ، أرقبُ بصمتٍ الحركةَ السريعةَ في البيت ، وكأنَّ سربًا من الطّيورِ دخلَ إلى الخيمةِ و أخذَ يحلّق دونَ توقّف ، كانت أمّي تركضُ كالمجنونة ، تمسكُ بدلوٍ من الماء السّاخن تذهبُ به إلى زاويةِ الخيمةِ حيثُ ترقدُ أختي الصغرى ، تمسكُ بشرائطَ مختلفةِ الألوان ، تعصر ، تحضر الثلج ، ثم تعصر مجددًا ، و كأنَّما دخل إعصارٌ إلى الخيمة ، تذهب و تأتي في حركاتٍ دءوبة دون استكانة ، و أنا أقفُ وسط الخيمة .. و أنظر فحسب ، في لحظةٍ ما ، كانت أمي تقطعُ الطريقَ بجانبي ، توقّفتْ و نظرتْ إليَّ هُنيهةً بدتْ أطول ممّا هيَ عليهِ في الواقع ، كانت تحاولُ قولَ شيءٍ ما ، لكنّها لم تفلح ، حركةُ عينيها كانت غريبةً ، ثم و بعدَ جدلٍ طويلٍ مع نفسها ، صرختْ فيّ بشكلٍ هستيريّ لسببٍ لم يعلمه إلا الله آنذاك :

-          اذهبي من أمامي ! .. هيّا إلى الخارج .. اذهبي و نادي "الشيخة" !

   لم أتابع بقيَّة كلامها ، و لا حركةَ يديها المتوترتين ، فقد تحرّكت قدماي بشكلٍ لا إراديّ و قبلَ أن أعيَ أيّ شيءٍ آخر ؛ كنتُ قد هرولتُ مُسرعةً إلى خيمةِ "الشيخة" التي تقعُ في نهايةِ القرية ، متغافلة ارتداء "القبقاب" ، ركضتُ و ركضتُ كما لم أفعل من قبل ، و كأنَّ الريحَ حملت قدميّ ، لم يدُر بِخَلَدِي أيّ سؤالٍ و لم أستدِر لأيّ نداءٍ باسمي ، تلاشى كل شيء ، عدا الطريق إلى "الشيخة" ، لقد كانَ الشيءَ الوحيدَ الذي بدا واضحًا ، وضوحَ شمسِ ذلكَ اليوم ، وصلتُ بأعجوبةٍ ، ناديتُ بأعلى صوتي على "الشيخةِ" ، التي ظهرت من وراءِ خيمتها ، ثمّ و بسرعةٍ عجيبةٍ ، كانت بجانبي ، تهرول معي صوبَ خيمتنا !

   لم أحبّ "الشيخة" يومًا ، كانت غالبًا شيئًا غريبًا بالنسبة لي ، شخصًا مجهول المكنون ، لم أستشفّ يومًا من ملامحها أيّ شيءٍ ليذكّرني بها ، لقد ورثتُ خلال سنواتِ حياتي عدم حبي لها ، دونَ أن أعرفَ السبب ، و ربما اشتراكها في أحداث ذلك اليومِ الغريبِ كان عاملًا مُساعدًا عمَّقَ ذلك الشّعور أكثر .. الشيء الوحيدُ الذي يذكّرني بها هو عيناها القاسيتان اللتان كانتا كذلك لتعاقب الأعوام عليهما دونَ توقّف ..

-          " زينب "
نادت عليّ "الشيخة" في الطريق بصوتٍ مُجهَدٍ .. فالتفتّ تجاهها ، و مِلتُ برأسي جانبًا في تساؤل .. فأردَفت :

-          هل حالتها خطيرة ؟

لم أفهم ما تعنيه ، و خفتُ من أن تعاقبني كما تفعل دومًا إن لم أجب بشيءٍ ، فترددتُ ثمّ أجبت :
-          أجل ..

ثم استطردتُ بعدها بلهفةٍ لم أعرف مصدرها :
- جدًا !

   و كأني أدركتُ ما كنتُ أقوله حقًا .. دقّقَتِ "الشيخة" في ملامحي المترددة ، ثمّ تابعت مسيرها بسرعةٍ أكبر ، وصلنا الخيمة ، دخلت "الشيخة" ، و لكنّي لم أتبعها ، بقيتُ خارجًا ، كنتُ خائفة ، و اكتسيتُ بشعورٍ غريبٍ ، لم تمضِ سنة على ولادةِ أختي الصغرى ، و قد عانيتُ الأمرين برؤية أمي على مرمى حجرٍ من الموت في كلّ لحيظة ..

-          أنتِ محظوظة ..

   كانَ هذا ما تقوله "الشيخةُ" لي كلَّما أتت لتطمئنّ على حالةِ أمّي التي لم تستقرّ طيلة الفترة التي تلت رؤيةَ أختي للنّور ، لم أفهم يومًا ماهية الشيء الذي يجعلني محظوظة ! ..

   في القريةِ يبدو الناسُ أشبهَ بعيدان القصبِ الجافَّة ، خاصَّةً مع البشرةِ السوداء التي يمتلكها الأغلبيَّة ، الكثيرونَ يولدونَ هكذا ، ضِعَافَ البُنيَة كأختي "تاتسيانا" ، و الكثيرونَ يلقون حتفهم قبلَ بلوغهم السّنة ، حتَّى السيِّدةُ البيضاء التي تزورُ القريةَ كلّ أسبوع لم تقدر على تقديمِ أيّ مساعدة للمصابينَ بهذا المرضِ ، فعلى الرغمِ من أنّ الناسَ في القرى المجاورة كانوا يتهامسونَ بقدرتها على شفاء كلّ الأمراضِ ، إلا أنَّها لمّا حضرت إلى قريتنا ذاتَ مرةٍ مرتديةً قفّازيها الأبيضين ، و مغطية رأسها بما هو أشبه بكيسٍ قماشيّ ، أعلنتْ أنّها غيرُ قادرةٍ على تقديمِ أيّ شيءٍ ذي جدوى ، الأمرُ الذي صدمَ كثيرينَ ، خاصّةً أمّي ..

-          ماذا تفعلين ؟
صاحت "الشيخةُ" فيَّ ؛ قاطعةً عليّ أفكاري المُتدافعة دونَ سابقِ إنذار ، و مادَّةً تجاهي دلوًا فارغًا ، أمسكته و دونَ أن أسْألَها أو تُعقِّبَ هي بشيءٍ ، انطلقتُ نحو النّهر مباشرةً ..

   أحببتُ الطريقَ إلى النهر دومًا ، لأنّه مختلفٌ و غريبٌ ، يكونُ في البدايةِ متعرجًا ، ثمّ يصبحُ مستويًا ، تنتشرُ على طرفيه بعضُ البيوتِ المصنوعةِ من الطينِ ، كنتُ أتوقَّفُ أحيانًا لتحسّس ملمسها ، و غالبًا ما كنتُ أمضي في طريقي لا ألوي شيئًا غيرَ إحضارِ الماء .. في بضعة مرات توقفت لأرقبَ بعضَ الصبيةِ و هم يلعبون ، و كأنِّي بالوقتِ يهرول أجدني تأخرتُ عن العودة ، فأنطلقُ صوبَ البيتِ لأنالَ عقابًا من أمي ، فيما بعد .. لم أعُد أتوقَّفُ أبدًا .. أصلُ النَّهرَ فأغترف بالدلو حاجتي ، ثم أمضي ، لم أعُد أتوقَّفُ لتبليلِ قدميَّ بالماء ، و لا لمحاولةِ التقاطِ بعضِ الأحجار زاهيةِ الألوان ، و التي كنتُ أجمّعها في صغري .. أصبحت كل تلكَ الأشياءِ ترتبطُ بــ السذاجة ..

   طريقُ العودةِ إلى البيتِ يكونُ ممتعًا أكثر ، أستمتعُ بمحاولةِ سكبِ الماءِ ثم التقاطهِ مجددًا .. ذلكَ يُبقيني متيقِّظة إلى حين وصولي البيت .. لكنَّ أيًّا من ذلكَ لم يحدث مجددًا ..

   قُلتُ منذ البدايةِ أنّ ذلكَ اليومَ كان مُختلفًا ، فقد عُدتُ لأجدَ البيتَ و قد اتَّسعَ لعشرين سربًا من النساء ما بينَ مولولة و بكَّاءة ، لذلكَ ما زلتُ أحتفظُ بصورةٍ عنه في ذاكرتي ، و لذلك أعرفُ كلما مرَّت بي الذاكرة و حملت ثقلها على صدري بأنِّي كنتُ محظوظة .. فعلًا ..

   أنظرُ من بعيدٍ ، فأرى طفلةً تحاولُ ارتداء ثوبِ الحكمةِ دونَ مقابل ، و أقتربُ أكثر فأراها و قد ارتدت ثوب الحكمةِ مقابلَ زيارةٍ من " الموت " ..

 dodo, the honey
دُعاء محيسن