29 ديسمبر 2013

نوستالجيا..

عملنا على نقلِ الكرسيّ من السطحِ إلى الطابق الثاني استعدادًا لنقله إلى صفنا عندما تحين الفرصة، وفي الحقيقة عندما نشعر أننا قويتان كفاية لفعلها.. طيلة الفترة الأولى وأنا أنظر إلى لينا، أغمض عينيّ وأهزّ برأسي:
-اليوم!

كنتُ أنتظر جرس الاستراحة، وأتى اخيرًا!
-سنفعلها اليوم؟
نظرت إليّ لينا بشكٍ، لكني قطعت ريبتها:
-طبعًا! لقد انتظرنا طويلًا، ثم إنّها البارحة قد أعطتنا واجبًا كثيرًا!، بسبب ذلك منعتني والدتي من مشاهدة التلفاز! وبرنامجي الكرتونيّ المفضل! تعرفين أنّ هذه مصيبة فوق تحملي!
هزّت لينا برأسها:
-أجل أجل!

أخرجتُ علكةً قسمتها نصفين، مضغت الأول وأعطيت الثاني للينا. جلسنا على أرض مدرستنا الابتدائية في الفناء الخلفيّ، حيث نستمتع بمشاهدة السماء معًا. وبطبيعة لينا أخذت تسألني:
-أتظنين أنها ستعرف أننا من فعلناها؟
-قطعًا لا، من سيظنّ أننا بدلنا كرسيّها بكرسيّ آخر؟ خطأ صغير فحسب، تعرفين كيف يبرر الكبار دومًا أخطاءهم!

-ستقع أرضًا، أشفق عليها.. وسيتّسخ رداؤها.. لكن أتظنين أنها لن تكتشف الأمر؟
-لا لا لا!
وبدأت أغنّي لأمنعها من إطلاق المزيد من الأسئلة. لكنّها اقتربت من أذني وهمست:
-لكن هل سندخل النار بسبب هذا، سوف تتألم كثيرًا!
-لا.. تعرفين نحن عصافير الجنة، وما نفعله انتقام مشروع!
-أريد أن أصبح عصفورًا وأطير!
-إذا متنا سنفعل!
-ولماذا لا نموت إذن؟
-لا أعرف كيف يموتون، ربما عندما يكتفي الكبار من الحياة، يقررون الانتقال إلى العالم الآخر.
-ولماذا لا نذهب؟
-لا أعرف الطريق.
-والدتي تقول دومًا "الجنة تحت أقدام الأمهات" لكنني بحثت كثيرًا تحت قدميها ولم أجد أي سرداب! ولا أجرؤ على سؤالها، فهي لا تريد أن أتركها.

فكّرت قليلًا، ثم وجدتني أشير نحو السماء:
-أظن الجنة فوق.
-لكن الله فوق أيضًا.
- إذن علينا أن نذهب هناك،
-أتعرفين برج الناصر؛ أعلى برج في المدينة، ربما الطريق من هناك، فهو مرتفع جدًا، لا أكاد أرى نهايته!

-أمي تقول كل شيء نريده موجود في الجنة، لن أضطر إلى ارتداء أحذيتي القديمة!
ولن نضطر إلى فعل شيء، وربما لن يُطلب منّا حل الواجبات أو الدراسة للاختبارات-
-وسيسعنا تأمل السماء كل يوم! طيلة الوقت!

-متى سنموت؟
-لا أعرف، لكن يبدو أن علينا أن نكبر أولاً لنعرف الإجابة، الكبار يبدون دومًا مُلّاك الأجوبة، لم أسأل أخي يومًا عن شيء إلا وأجابني!
-ومتى سنكبر؟
-لا أعرف.
-لكنني لا أريد أن أكبر.
-ولا أنا.
-ماذا سنفعل؟
-ننتظر.

رنّ جرس الاستراحة، هرعنا إلى الصف، قبل أن ندخل التفتت إليّ لينا:
-هل تظنين أن ما سنفعله صحيح؟
-عندما نكبر سنعرف!

29 ديسمبر
____________
كانت الكتابة دومًا مجرّد وسيلة للطيران والهرب، للهرب من العالم والناس، وكلّ شيء. وربما فكرة الموت تسيطر عليّ مؤخرًا، وربما كل ذلك محاولة لاكتشاف بعض الأمور مجددًا.


ملحوظة: أتمنى لكم عامًا حافلًا.

دعاء محيسن

27 نوفمبر 2013

سطوة الماضي.

  تلتفت إلى الخلف فتجدُ تراثكَ يلعنك؛ لا لشيء إلا لأنّكَ تهاونتَ في حفظه، حتى الحاضر يشمئزّ منك، يرمقك كأنّكَ غريبٌ، لا تمتّ له بصلة. أما المستقبل فقد سئم وعودك التي لم تفضِ إلا لخرابٍ أكبر. إلى أيّ حقبة تنتمي؟ لقد فقد قلبك بوصلته، وعقلك في طريقه للانهيار أيضًا.

الأيّام الأسوء لم تأتِ بعد. تردد بينك وبين نفسك. أتراك تحاول أن تخدع نفسك؟ أم تعزيها لأنّك وصلت للهاويةِ. لقد آن لك أن تعترف.
تجرّ قدميكَ جرًّا.. وتتساءل عن معنى اليأس. يقف الحاضر والمستقبل يطلبان منك التقدّم. أما الماضي فقد كفّ عن اللعن، وتسمّرت عيناه إلى شيء خلفك.

أيّ خيوطٍ تلك التي بوسعها رتقُ الفجوةِ بين ماضيك وحاضرك؟
لقد سئمت. سئمت الرتابة. سئمت كل شيءٍ. سئمت العالم الذي يردّك خالي الوفاض، بعد أن جئته مقبلا بالأسئلة. لقد سئمت نفسك..

تقف على حافةِ الجرف، فتستشعر ضآلة الحياة.. يبدو الجرف عميقًا، تنظر ثانية للماضي الغارق في صمته، ثم للحاضر والمستقبل الحانقين عليك. وتعترف خلسة أن الماضي وحده هو الذي يستحق التمجيد.

تغمض عينيك، تحاول تخيل عالمٍ آخر، لكنّ عالمك ذاته يلحّ.. بكل مشكلاته، بكل آلامه، وأفراحه. تكاد قدمك تنزلق، لكنك تجد الماضي، يمسكك، ويأمرك بالعودة. تختفي بقية الأزمنة، السطوة للماضي، الحاضر القريب، المستقبل الأبعد.

لكنّك تشير للفجوة؛ ثم لا تجد أحدًا.. لقد أعطيت فرصة جديدة، لكن لم يخبرك أحد عن كيفية جَسْرِ الفجوة. الأمل داخلك يتلبّد؛ لكنه لا يلبث أن يزهر. كلما زارك الماضي يزيد ارتباطك بحاضرك وتفاؤلك بقدوم المستقبل.

أنتَ أنتَ؛ ولن تتغيّر، ماضيك هو الذي يكتبُ حاضرك؛ وهو الذي سيتكفّل بمستقبلك.


دعاء محيسن

7 نوفمبر 2013

عندما تأتين..


وفي الحلم بدوْتِ حقيقيّةً، عدت إليّ، احتضنتني بكلّ شغفكِ، وأجلستني بجانبكِ، وقلتِ:

-       سأعود لأبحث عن الأميرة المفقودة!

وسألتكِ ببلاهةٍ:

-       أيّ أميرةٍ؟

فأجبتِ بسرعةٍ:

-       الأميرة التي خطفها جابر!



وتابعتِ دون أن أسأل، أو أن تنظري إليّ، وكانت عيناكِ ساحرتين وأنتِ ترددين:

-       سأتوقف عند البحر!

وعندها بدت عيناكِ ككوكبين يضيئان، وينثران النور عليّ.. وبدت لحظاتٍ سرمديّةً؛ لكنكِ نهضتِ، وسرت نحو الباب كطفلٍ هاربٍ من قبضةِ أبيه، وهناك، أرسلتِ لي قبلةً هوائيةً، ورحلتِ بخفّةً كما جئتِ.. وعندما استيقظتُ بحثت عنكِ.. فتّحتُ كل أبوابِ المنزل، ونوافذه صارخًا باسمكِ، وانتظرتُ أن تقفزي من مكانٍ ما، أو تخبريني بمكانكِ..

لكنكِ لم تظهري قطّ في غير أحلامي...



***

وأتيتِ ثانيةً، لكنكِ كنتِ باردةً كقصبةِ سكّر نبتت في الشتاء، وكعصفور فقد جناحيه، بقيت عيناكِ معلّقتين في السماء الرحبة.. لم تصافحيني.. وبدت عيناكِ اللؤلؤيتانِ غريبتين، جلستُ أمامكِ، لكنّ الضباب غشاكِ.. وكذلك فعل بي..

***
مر وقتٌ طويلٌ خلاله اعتدت غيابكِ، لم أكن أظنّ أنني سأتأقلمُ في النهاية، لكن هذا ما حدث فعلًا، تزورينني أحيانًا، لكنّ قلبي لم يعد يخفق بذات القوّةِ؛ تلك التي كانت تجعل جسدي بأكمله يرتعش... 

***


دعاء محيسن

16 أكتوبر 2013

عيدي وعيدهم "عيدنا الأرقّ"



   كان البارحة من أجمل أيّامِ حياتي، ولربما يكون أجمل عيد مرّ عليّ منذ وقتٍ طويلٍ، من أجمل الأشياء سماع صوتِ التكبيراتِ، تجعلني أشعر براحةٍ نفسية كبيرة، ثم اجتماع أفراد العائلة جميعا، والتقاء الأخوال والأعمام، ومشاغبتهم!..


   لي أصدقاء أحبّهم من أعماق قلبي، يشتركون في جعلي دوما أشعر بسعادةٍ ورضا، الحمد لله على نعمة الأصدقاء، الحمد لله الذي جعل لنا أرواحا تشبهنا وتحبنا.. أحاول دوما أن أتخيل مشهد إشهاد الله لنا على ربوبيته، ونحن ننطق بذلك، لمّا كنا في عالم الذرّ، أحاول دوما أن أربط الأمر بحديثه صلى الله عليه وسلم: "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ"



   اكتمل اليوم بحديثٍ "مضحك" مع صديقتيّ رفيدة وميمونة، أتعرفان؟!

لم أظنّ أنّنا سنضحك بهذا القدر! كانت حقا شحناتٍ من السعادة الرقيقة!

أظننا حلقنا في "سماء ثامنة" من الضحك اللامتناهي!

شكرا سكايب – أظنها المرة الأولى التي أشكر فيها وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي!



سعيدة... ياااه.. وأظنها ليست فكرة سيئة بأن نتبادل بعضنا بعضا يوما ما!-قد تصبح هناك وسيلة لذلك يوما ما!"انتقال بسرعة الضوء عبر الإنترنت"!-..


  أسأل الله أن نلتقي، ولعل لقاءنا يكون في القدسِ، قريبًا قريبًا...


الحمد لله.. يومٌ جميل..
عن أوّل يوم من أيّام عيد الأضحى المبارك.


دعاء محيسن

14 أكتوبر 2013

عن العيد.. والعودة للتدوين..

   اتفقت مع صديقة رقيقةٍ أن نغادر من الجامعة وحتى البيت مشيًا.. تحتاج المسافة ساعة إلا ربعًا.. كان الوقت الذي قضيناه من أمتع الأوقات التي قضيتها منذ بداية الجامعة، من الرائع أن تلتقي شخصا يشارككَ بعض أفكارك، وتجد شيئا جيدا للحديث فيه، فيضيف لك وتضيف له، عدا عن إشباع الحاجة إلى الحديث عن شهر يغصُّ بالمغامرات الجامعيّة الجديدة على كلتينا.. كم ضحكنا!.. كانت الطرق مزدحمة، الجميع يشتري للعيد، وبشكلٍ مفاجئ، حقا إنّه العيد.. اقترب.. قالت صديقتي إنّها لا تشعر بشيء حياله.. ولم أكن بحال من الأحوال أشعر بأنّه العيد حقا، على الرغم من الطرق المزدحمة، والبلالين، والمحلات الغاصة بالمشترين.. لم يثر ذلك شيئا.. وبعدما وجدتُ نفسي وحيدة في الشارعِ -بعد أن وصلت صديقتي بيتها- وجدتني أفكر في السبب الذي جعل طعم العيد يتسلل خارج قلبي خلال السنوات الثلاث الأخيرة.. ما العيد بالضبط دعاء؟!.. ما الذي كان يجعلني غير قادرة على النوم في ليلة العيد؟ وما الذي كان يحعلني أوقظ ماما صباحًا لتسرّح لي شعري؟ ما الذي جعلني أفرح؟!.. وفضضتُ رأسي، متطلعة إلى السماء، لكنّها كانت بلا غيوم!


   وقررتُ اللعبَ على نفسِ وتر العيدِ... بالعودةِ إلى الأشياء التي تجعلني سعيدة.. القراءة، الكتابة، التأمّل، والتحدث مع شخصٍ أحبّه، قراءة القرآن، والاستماع إلى شيخٍ أحبّه كالعريفي مثلا... نفخ البلالين.. تنظيف الغرفة، ترتيب الكتب، فعل أشياء غير مهمّة.. السباحة على الإنترنت.. اللعب مع أخي الصغير.. نشر الغسيل.. الاستحمام.. تعلم كلمات جديدة بلغات مختلفة، الغناء -وإن كان صوتي نشازًا!- أشياء كثيييييرة!.. ووجدتُ أنني لما بدأتُ بتعدادها أصبحتُ سعيدة.. وبدأ شيء من السعادة التي تراكمت فوقها الأشغال الكثيرة تغزو المحيط.. وصباح اليوم بدأت أجمع شيئين معًا، من الأشياء التي تجعلني سعيدة وتلك التي يتوجب عليّ إنجازها وكان دمج شيئين أمرا ممتعا..
اكتشاف: الجامعة كائن شرير أحيانا، يستهلكك حتى النخاع!... لا تسمح له!.. بدأت بوضع جدول لردّ الملل على أعقابه.. والأمور تسير بشكل مرضٍ.. الحمد لله..

ما العيد؟
إنّه نعمة.. تحتاجُ وقتًا لتقديرها.
اللهم لكَ الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد..

أسأل الله لكم وللمسلمين كافة عيدا مباركا تحل فيه الفرحة والسعادة في قلوبهم ولا تفارفها.
الحمد لله.. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..


_____
أعودُ للتدوين بشكلٍ جزئي إن شاء الله، وعد قطعته لصديقتي الحبيبة رفيدة..
    
دعاء محيسن
الرابع عشر من أكتوبر 2013 

5 سبتمبر 2013

تساؤلات.. وأشياء أخرى... من المرض..

وكنتُ أسألُ نفسي؛ ماذا يحدثُ لحلمٍ إذا تأجّل؟!
وهل يؤجَّلُ أم إنّه يسافرُ فقط..
وهل تسافر الأحلام؟
وهل لها أعشاشٌ تبيتُ فيها بعيدًا عن أصحابها لمّا يهجرونها؟!
...
لو كنّا نحلم بحقّ لسافرت أحلامنا خماصًا، ولعادت بطانًا، تشتهي سفرًا جديدًا.. تشتهي أحلامًا جديدة..
...
- وكيفَ تعرفُ أنّكَ تؤمن بحقّ؟
_____________
- وهل بوسعِ طفلٍ اعتناقُ الحياةِ؟!
- بحلم..
- سيمسي قبضًا للريح..
- بل ستحمله الرياح.. وتبذره في كلّ روض وأرض..
- ستموت.. وستعزف الريح أنينه المكبوت..
- سيباركه الله، وستفتله الريح..
_____________

ولم أكن أعرف أنني هرة تستأسد نهارًا، حتى إذا جنّ الليل وفزعت مخلوقات النهار تلتمس مخرجا لم تجد، فتربض أمام عرينها.. تخاف أن يدركها النوم...

 _____________

ولم أكن أعرف أن الذكريات كالأمراض، أشبه بنزلة البرد التي تلجم فمك، وتصيّر عينيك حمراوين كتوتتين بريّتين، وجسدك قطعة حلت بها نازلة، إنّ الذاكرة هي أسوء أنواع المرض... سرطان غير مرئيّ.. يبكيك تارة ويضحكك تارات أخرى.. وفي الحالتين تمتلئ مآقيك دموعًا...

 _____________

تمتلك الأحداث الحزينة قدرة على تغيير أفكارنا أكثر من تلك المفرحة –غالبا-، الأولى تريك القصور، أما الثانية فتعميك..

  _____________

وتساءلت... لماذا لا تستطيع كلماتنا إشعالنا بذات القدر الذي تشعل به أشخاصا آخرين.. ووجدت نفسي أجيبني... إنّه الإيمان.. مجددا..
______________


-          وإن غضبتِ؟

-          أكتب

-          وإن حزنتِ؟

-          أكتب أكثر..

  _____________


لا تستطيع أن تمثّل دور الإيجابي وأنت تعمم الخير المطلق، وتقول بأن الدنيا جنة، وبأن كل شيء جيّد.. وبأننا لا نحتاج للتغيير..  
______________

أتعلمين... في هذا الصباح بدت الكثير من الأشياء باهتة... حتى الشمس؛ لم تخترقني...

دُعاء محيسن

2 سبتمبر 2013

الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل.. إميل حبيبي

    رواية غريبة.. أزمعتُ على قراءتها منذ عامٍ، ولمّا وجدتها قرأتها بلهفة مستكشفٍ تاه عن الطريق.. لا يمكنُ الجزمُ بنوعيّتها، إذ إنّها تؤرّخ لحقبٍ متفاوتة، ستجدُ نفسك في رواية كنديد لفولتير، ثم هاملت وديدمونة لشكسبير، ثم مع ابن جبير تارة أخرى، ثم مع أبجر بن أبجر.. ومصباح علاء الدين.. وألف ليلة وليلة.. وفي ذات الوقتِ تسردُ قصصًا من أصقاعٍ وأزمانٍ مختلفة.. وأما البطل "سعيد" فهو يجول بك، ومن خلال عينيه سترى وطنه، وسترى شخصيات متفاوتة المستوى، بعضها إنسانيّ، وبعضها متوحّشٌ ومتسيطر..

   لا يمكنكَ أن تضحكَ بالجملة، أو تبكي فقط.. لم أقرأ أبدًا روايةً بهذا القالب، جدليّتها أشكلتني، وأوقعتني في ذات الحيرة التي يشعر بها الراوي.. فلم أتأكد من مشاعري تجاه أيّ من شخصياتها، التي تتسم معظمها بعمقِ إنسانيّتها.. لا يمكنُ الحكم بالخير أو بالشرّ على أحدٍ، فما يعتبره شخص شرا، قد يعتبره آخر في حدود الخير.. ولذلك كانت شخصياتها غريبة..

   اللغةٌ رفيعة المستوى، وتحتاج لتركيز في بعض تراكيبها وكلماتها.. إميل حبيبي كاتبٌ راقٍ.. وإنسانيّ.. أشعر بأنّي قرأت قصته هو، أفكاره، شيئا منه..

   لا زالت الرواية بيدي، ولا زلتُ أفتح الصفحة الخمسين بعد المائة، وأقرأ الحوار الذي جرى بين "باقية" –زوجة سعيد، مع ابنها "ولاء".. أضعف الإيمان أن تبكي.. كان أكثر ما علق ببالي من الرواية هو هذا الحوار.. كان رائعا.. بحق..

   يسردُ الراوي أسماء كثير من القرى التي نهبها الاحتلال، متآمرًا مع التاريخ.. فقد ذكر الرويس، الحَدَثة، الرامون، المزرعة، شعَبَ، البرْوة، ميعار، وَعْرة السريس، الزيب، البصّة، وأقرُت، وذكر بعض الشوارع في حيفا وعكا، وعرض لذكر جامع الجزار، وتمنّيتُ لو أطير بجناحي شوقٍ لأرى ما ذكر، سأخيطُ جناحين بوشائج توقي.. وأطير!

   إن ما يمكنني قوله هو أن التحرير سيكون قريبًا.. بالضبط عندما نثور على القواقع التي دخلناها طائعين، عندما نكفّ عن الاختباء، ونفتحُ أعيننا، ونعرف مكاننا تحت الشمس.. عندما ندمّر تلك العقليات الجمعية الرجعيّة.. في الحقيقة، في نفس الوقتِ، سنكون قد اقتربنا من غيمة الحقيقة أكثر.. وإن لم نصل..
_________
من حوار الأم "باقية" وابنها "ولاء"..
"في المدرسة حذرتموني: احترس بكلامك! فلما أخبرتكم أن معلمي صديقي، همستم: لعله عين عليك! ولما سمعت حكاية الطنطورة فلعنتهم، همستم في أذني: احترس بكلامك!
فلما لعنوني:
احترس بكلامك!
وحين اجتمعت بأقراني، لنعلن إضرابا، قالوا لي، هم أيضا:
احترس بكلامك!
وفي الصباح قلتِ لي، يا أماه: إنك تتكلم في منامك، فاحترس بكلامك في منامك!.. وكنت أدندن في الحمام، فصاح بي أبي: غير هذا اللحن. إن للجدران آذانا، فاحترس بكلامك!
أريد ألا أحترس بكلامي، مرة واحدة!
كنت أختنق!
ضيق هذا الكهف يا أمّاه، لكنه أرحب من حياتكم!
مسدود هذا الكهف يا أماه، ولكنه منفذ!"
_______
-         لو كنا أحرارا، يا ولدي، ما اختلفنا، لا أنت تحمل سلاحا، ولا أنا أدعوك إلى احتراس. إنما نحن نسعى في سبيل الحرية.
-         كيف؟
-         مثلما تسعى الطبيعة في سبيل حريتها. فالفجر لا يطلع من ليله إلا بعد أن يكتمل ليله. والزنبقة لا تبرعم إلا بعد أن تنضج بصلتها. الطبيعة تكره الإجهاض يا ولدي. والناس لا يتحملون ما أنت مقدم عليه.
_______
"- أماه، أماه، حتى متى ننتظر برعمة الزنابق؟
-         لا تنتظر يا بني، إنما نحن نحرص ونزرع ونتحمل حتى يحين الحصاد.
-         متى يحين الحصاد؟
-         تحمل!
-         تحملت عمري.
-         فتحمل!..
-         سئمت خنوعكم."

قرئ في آب 2013
كتِبَ في سبتمبر 2013

 دعاء محيسن

26 يوليو 2013

ذكرياتُ الثانويّة العامّة... أجمل الأعوام!

  في الليلةِ التي سبقت إعلانَ النتيجةِ شعرتُ بذاتِ الشعورِ الذي أشعر فيه ليلة العيد، نفسُ ذلك الشعورِ الغريبِ الذي يصعب وصفه ولملمته ببضع كلمات.. قرأتُ كم كانَت صديقاتي والطلبة الآخرون يشعرون بتوترٍ شديد، وغير قادرين على النوم، لكنّي لا أعرف لِمَ استغرقَ شعورُ اطمئنانٍ داخلي، لم أشعر بالخوف -رغم أنّي وددتُ لو أشعر به!-، ولم أشعر بالثقة كذلك، تمنّيتُ تلك الليلةَ لو أحلمُ بنتيجتي قبل أن أسمعها أو أقرأها في مكانٍ ما، وددتُ لو أغرقُ في أحلامٍ خياليةٍ ما!... لكنّي نمتُ بكلّ العمقِ، ولم أحلم بشيء!...

  استيقظتُ مبكّرًا، وقلت لعلي أشعر بشيء من الخوف، بشعورٍ محدّد، شيء يمكن تسميته، وله تفاصيل!... ولم أشعر بشيء، عندما علمتُ بالنتيجةِ استأتُ قليلًا، ربما لأني توقعت أن تكونَ أعلى، لكن الحمد لله، لعله خيرٌ لم أره...

  سأحب هذا الرقم (98.6%)، الأولى على مدرسة الرملة الثانويّة للبنات، الأولى على شرق غزة، و17 على المحافظات، لا بدّ أنّ هذا مرضٍ نوعًا ما!...

  كانت أيّام الاختباراتِ خليطًا غريبًا من كلّ شيء، من الفرحِ، والحزنِ، والغصّاتِ، والاخطاء الغبيّة هنا وهناك!، أظنّ أنها كانت أجمل أيام في هذا العام، ولقد وثّقت علاقتي بأشخاص كثيرين لم أكن أعرف أنهم بهذا الجمال، وعرفت كم من المؤلم أن تدركَ أنّه كان بالقربِ منكَ دومًا صديقٌ رائعٌ، لكنّكَ لم تحظ بفرصةٍ جيّدةٍ لتتعرّف عليه عن قربٍ، كانت الاختباراتُ فرصةً جيّدةً جدًّا؛ لإدراك الأمور التي غابت عنّي، ولم ألتفت إليها... كان لا بدّ أن أتعلّم، ليس كل شيء، لكن ما استطعت أن أبصره على الأقلّ.

أسوءُ شيء أن تشعر بالخوف، قبل كلّ اختبارٍ كنتُ أشعر بأنّ قلبي سيخرج من قفصه الصدريّ!، وفي بعض الأوقات كأنّه غير موجود أصلًا!، وقبل الاختبار بدقيقة يهدأ، وأعود للتنفّس... حقًّا هذا الخوف كان أسوء شيء جربته في حياتي، ولا أتمنّى تكرار الشعورِ به مجددًا، كأنّ معدتي تتقلص وتميد.... (سيء)!...

  لم تكن الاختبارات سيئة، لكنّها تفتقد لإثباتِ قدرتك على الإبداع!، كانت معظم الاختبارات تعتمد على الحفظ، "إن بصمت نجحت"، وأذكر أني مرةً كنت أحاول استرجاع ما حفظت ولم أستطع حتى الانتقال للسؤال التالي من التفكير،  ولمّا تذكّرت رميتُ القلم على الطاولة وضحكت، الطالبات والمراقبة طبعًا نظرن لي بريبة!... -ما كان يُنتظر منهنّ أقلّ من ذلك!-...

 يتبع...

30 يونيو 2013

تجريدٌ... سطحيّة... لحظةُ قوة مغموسة بالضعف..

أحيانًا يحتاجُ المرءُ إلى أن يتشاكسَ مع نفسهِ قليلاً... بين الأنا والأنا الأعلى تحدث الصراعاتُ الرهيبة، ليس هناك أسوء من خوفِ الإنسانِ من نفسهِ التي بينَ جنبيه، لا... ليس أسوء من أن تحتضنَ سبب مخاوفكَ وتحمله داخل كيانكَ متغلغلًا داخلك، حيث هو الوحيد الذي يدركُ أسرارك.. نقاط قوتك.. وتلك التي تهزّك...

لا أحبّ المواجهاتِ، لكنّها حتميّة، لا توجد جدليّاتٌ هنا.. المواجهة ليست عقبة، ولا خيارًا، إنّها الطريقُ الوحيدُ المفتوح، كتمتُ ذلكَ لأسبوع، حتّى أصبحَ يعلو أكثر في كلّ مرّةٍ تركتُ فيها خيار المواجهة، كأنّي أطعمُ خوفي خوفًا جديدًا، كانت الأمور تتضّخم...

لم أكن متأكّدةً من الذي كانَ أكبر؟!
هل هو خوفي أم ثقتي بأنّي أستطيع مواجهته، بعضُ المواقفِ في الحياةِ لا تعطيكَ بعد تجربتها تصوّرًا واضحًا، تتركُ داخلكَ طعمًا مميّزًا، لكنّكَ لا تستطيعُ تحديده... تلكَ هي الإشكاليّة الأولى. كانتِ الأمور واضحة، ثمّ بدأت تتخفّى، وربما لم تكن واضحة، لكنّي رأيتها كذلك.

مواجهة وانتصار... طعمُ الانتصارِ لذيذ، لكنّه لا يشفي غليلكَ... لا يشفي غصّتكَ التي تقفُ وسط حنجرتكَ كسكين عريضة، تعكّرُ ماءَ انتصارِكَ الأخير... تعكّره، حتى لكأنّكَ غير قادرٍ على معرفةِ إن كان ذلك انتصارًا أم فشلًا ناجحًا بامتيازٍ.. تلك هي الإشكالية الثانية.

لكنّكَ انتصرت... واجهت خوفك وانتصرت عليه، عرفت أنّه مجرّد قزمٍ حقير، وأنّك العملاقُ شديدُ البأس!
لكنّك لستَ متأكّدًا بعد... تحتاجُ شيئًا يؤكِّدُ لك، رسالة ما... كتلكَ الرسائل الخفيّةِ التي يوجّهها لنا الله عندما نخطئ، ندور وندور حتى نصل إلى فهمها...

أحتاجُ إلى رسالةٍ... إلى علامةٍ.... وربما هي موجودة منذ البداية، لكنّي قاصرةٌ بعد على رؤيتها، الوقت هو الإشكاليّة الثالثة... فلا وقت... لا وقت... لا وقت!...

شيء داخلي كاليقين يعلو، ثم يصغر، لكنّه يعلو مجدّدًا... الآن هو عالٍ... عالٍ كالموجِ الذي رأيتُ من بعيدٍ... لكنّي خائفة من أن يهبطَ ثانية، فيغدو كنهرٍ مسالمٍ... لكنّه في الحقيقةِ مجرّدُ سلامٍ سطحيّ...

8 مايو 2013

سَماءْ، قلبْ، و"حشرة"||



     الهواء في الغرفةِ ثقيلٌ، أحاولُ التقاطَ نفسٍ طويلٍ، لكنْ... رئتايَ ممتلئتان فعلًا بأشياء أخرى، لا مكان سوى لأنفاسٍ صغيرةٍ لاهثةٍ، العالم ينحصرُ بأكمله في غُرفتي... غُرفتي أصبحتْ مركز الكونِ كلّه الآن..!، فكرةٌ مضحكةٌ تدورُ ببالي، أئدها، ولا أضحك على شططها، بصدقٍ أحاول، لكنّها تصبحُ فكرةً غبيةً بعد عدّة محاولاتٍ... الكتاب أمامي، والدفتر.. أكوام الكتبِ المركونةُ في أقصى الزّاويةِ... حشرةٌ ما تحاولُ تسلّقها بتؤدة، أبتسم... الدّماء داخلي راكدة، قدمايَ لذّ لهما الكسلُ.. أنظرُ تُجاه الحائطِ، حائطي المليء بالخرابيش والكتابات والشعارات، كلّ ذلك كتبته للحظةٍ كهذه..!، إنّه يساعد، لكنِ الهواءُ لا يزال ثقيــلًا!...الحشرة الدؤوبة لا تزال عاجزةً عن الوصولِ إلى القمة، تسقط، أضع يديّ على فمي في أسًى!.. "يا للمثابرةِ للمسكينة"!.. لكنّها ليست أقلّ من عنيدةٍ، تثابرُ ثانية للصعود من جديدٍ...

    كنت أحاول رسمَ صورةٍ للدنيا خارج غرفتي.. صباحٌ يزخرُ بضوءِ الشّمسِ، عجلة الحياةِ لا تتوقف، الكلّ متأهِّبٌ ليومٍ جديدٍ، الكون بوسعه الدّوران دونكِ – يا للحقيقةِ المباغتة!!... الحشرةُ العنيدةُ وصلت إلى منتصفِ أكوام الكتب، لكنّها توقفت عن الحركة، ظنتها قد ماتت من التّعبِ، لكنّها كانت على ما يبدو تأخذ استراحة!... كان الكتاب أمامي أشبه بجولةِ مصارعة، قررت الاستسلام؛ وقلبتُ الصفحة، الحشرة التي أصبحت همّي تجتاز آخر كتابٍ، تصلُ القمّة، أتخيّلها ترقصُ جذلى، وأفكر بأنها تستحقّ الحياةَ.. "لا بأس".. في الحقيقة كان الهواءُ قد أصبحَ خفيفًا، وكان بوسع  أخذ نَفَيسٍ عميقٍ... ربما ملء السّماء.. سماءِ الصّيفِ الرائعة.


دُعاء محيسن