16 فبراير، 2013

عَلَى شَفَا وَطَنٍ... قصّة قصيرة...

عزيزي منصور ..


   لا بدَّ أنَّكَ تمضغُ أصابعكَ قلقًا و حَيرةً على أنني لم أصِل حتى الآن إلى المطار ، و عَلى أنَّكَ بقيتَ ساعاتٍ في الجوِّ القارصِ مدثرًا بسترتكَ الخاكيَّة اللون ، و تكادُ تصبُّ عليَّ بعضًا من الشتائمِ التي تعلمتها مؤخرًا في البلدِ الجديد ، لأنَّ عدولي عن المجيء بعدَ كلِّ ذلكَ المجهودِ الجبَّار الذي بذلته في توفيرِ قروشكَ المتبقية من راتبكَ لأجلي ؛ لتوفِّرَ ليَ تذكرةَ السَّفرِ ؛ لأنَّ عدولي عن المجيء بعدَ كلِّ ذلك هوَ أمرٌ مستعصٍ على الاستيعاب ! ..

  لا أعرفُ كيفَ أفسِّرَ لكَ تلكَ الرَّغبةَ التي راودتني في البقاء من الرأسِ حتى أخمصِ القدم ، تلكَ الرَّغبة التي جعلتني أمسكُ بتذكرةِ السَّفَرِ التي كانتْ أشبهَ بشيءٍ مصنوعٍ من العاج ، أمسكَها لأمزِّقها بكلِّ بساطة ! – لا بدَّ أنني بدأتُ بإغاظتكَ الآن ، أعتذر إن كنتُ فعلت - .

  لا بدَّ لي من أن أعترفَ لكَ منصور ؛ بأنني كنتُ غبيًا .. غبيًا تمامًا .. عندما جعلتُ من سنواتي الخمسِ السَّابقة هباءً منثورًا ، عندما لم تخلُ لحظةٌ واحدة منها إلا و كنتُ أشغل لبِّي بالتفكيرِ في كيفيةِ توفيرِ بضعةِ قروشٍ من راتبيَ المتواضع للحاقِ بك ، راتبي الذي كانَ يوزَّعُ أماميَ على حاجياتِ المنزلِ الضروريةِ فقط ! ..

  اليومَ مشيتُ في ذاتِ الطريقِ الذي أعبرهُ كلَّ يومٍ كلما عدتُ من المدرسة – التي كنتَ ذاتَ يومٍ شريكي في العملِ فيها - ، عدتُ لأرى الشوارعَ التي اعتدتُ صورةً مختلفة ! .. عدتُ لأقسمَ بأنني لم أعبر هذا الطريقَ قبلا ! .. حتى العامودُ المعوجُّ بدا شيئًا جديدًا تمامًا عليَّ ، و الكتاباتُ على الجدرانِ التي كنتُ ذاتَ يومٍ قد لعنتها بدتْ أشبهَ بآياتٍ تزيِّنُ الشارع ، و الأشجار التي تترامى على الطريقِ كبذورٍ رُميتْ دونَ سابقِ إنذارٍ ؛ بدتْ أشبهَ بقطعةٍ من الجنَّة ! ، و الأطفال الذينَ يهرولونَ بجانبي و يصرخونَ بأصواتٍ ملائكيّة ، وصفتها ذاتَ يومٍ لكَ بأنها تماثل صوتَ نعيقِ الحمارِ شناعةً ! ، كلُّها كانت أشياءَ جديدة تمامًا و مختلفة..

  إنَّ كُلُّ شيءٍ يبدو مختلفًا .. كيفَ لم أفكِّر يومًا بذلك؟! .. كيفَ كنتُ قاصرًا عن النَّظرِ إلى عينيّ الحقيقة ؟ ، كيفَ حوَّلتُ حياتيَ إلى جحيمٍ أسودَ بيديّ ، و ثبَّتُّ منظارًا على عينيّ ، منظارًا طليتُ عدستيهِ بالأسودِ أيضًا ..

  قبل يومين .. غادرتُ المدرسةَ يحملني جناحانِ من الحَنق ، وصلتُ المنزلَ لأجدَ مراسمَ الحدادِ مُعلنة .. أخي الأصغر "منير" ، ذو الأعوامِ العشرة – و أنتَ تعرفهُ بالطبع - ، كانَ متجهًا صوبَ المنزلِ بعد انتهاءِ دوامِهِ المدرسيّ ، دفعتهُ شقاوتهُ إلى العبثِ بعبوةٍ وجدها قرب المنزل ..

-         لم كان هاتفكَ المحمولَ مغلقًا طيلة اليوم ؟

  تم توجيهُ إصبعِ الاتهام نحوي فور عودتي إلى المنزل ؛ مباشرة مِنْ قِبَلِ أختي الكبرى؛ التي أصبحتْ الوصيةً علينا جميعًا ..

-         تعلمينَ أنني كنتُ في المدرسة ، و لم يسبق لأحدٍ أن احتاجني ..

  أردتُ إبعادَ الاتهامِ عنّي بقدر المستطاع.. و لكنِّي كنتُ رجلَ المنزل بعد وفاةِ والدي ، و كانَ عليّ تحملُ بعضِ العبء ..  بيد أن أختي حمَّلتني جريرةَ كلّ ما حصل .. لم يكن المثل الشائع " كل تأخيرة و فيها خيرة " ينطبقُ هذه المرةَ على حالةِ أخي الأصغر "منير" ، بل العكس.. تمامًا ..

  ذهبتُ لأزورهُ في المستشفى المركزيّ ، كنتُ واثقًا بأنَّ حالتهُ لن تكونَ بذلكَ السوء ، فالنساء غالبًا ما يبالغنَ في وصفِ الأخبار أو نقلها .. لكن ما حصلَ أذابَ عينيَّ كمدًا .. كانَ أخي راقدًا على الفراشِ الأبيضِ في غرفةٍ بيضاءَ واسعة ، عيناهُ اللامعتانِ ككوكبٍ كانتا مطفأتينِ ، و كأنَّما قرر بريقهما الرحيلَ فجأةً .. كانتْ أختي "رويدا" بجانبهِ ، و لمَّا رأتني قادمًا خرجتْ بسرعةٍ .. كنتُ أتمنى أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى فيما لو كانت أمي بجانبي ، لتخبرني ماذا يتعيَّنُ عليَّ أن أفعل ..

  كانَ جسدهُ مسجى على السرير ، و مغطىً بلحافٍ سميكٍ ، يُخفي جسده الصغير النَّحيل ، فتحَ عينيهِ بصعوبةٍ عندما سمعَ الصوتَ الصادرَ عن جلوسي على الكرسيّ .. منحني ابتسامةً نحيلة.

-         كيفَ أنتَ يا بطل ؟

تلعثمَ محاولاً أن يبثَّ في صوتهِ أكبرَ شجاعةٍ ممكنةٍ لوصفي إياهُ بالبطل ، و قال :
-         الحمد لله ، بخير ..

لم أعرفْ كيفَ لي أن أبدأ معه حديثًا مُفتعلاً  ، للتسريةِ عن الموقف الذي حُشِرتُ فيه ..
-         ستتعافى بسرعة ، و ستذهبُ إلى المدرسةِ مجددًا لترويَ لأصدقائكَ شجاعتكَ في المستشفى و في مواجهةِ الوحوش و الإبر !

شعرتُ أن هناكَ شيئًا عالقًا في صدرهِ ، لكنه ما لبثَ أن قال :
-         لكنَّني .. لكنني سمعتُ "رويدا" ... سمعتها تقولُ بـ ... أنَّ ...

لم يستطرد بشيءٍ ، بينما كانَ وجهي يتصبَّب عرقًا على الرَّغمِ من برودةِ الجوّ ..

-         ماذا قالت "رويدا" ؟

  لم يُجب ، أغمضَ جفنيهِ ، و لفتني أنه لم يكن يحرِّك أيًا من أطرافهِ .. فزعت ، و عرفتُ كم أفتقد إلى سرعةَ البديهة ، فنهضتُ و رفعتُ عن جسدهِ الغطاء بسرعة ..  لأشعرَ أنني أذوبُ ككائنٍ هلاميّ ، عندما رأيتُ يدًا بلا كفٍ أو أصابع ! .. و جسدًا طافحًا بالندوب و آثار الشظايا..

ما كانَ ذنب أخي ليعبثَ بعبوةٍ صغيرةٍ خلَّفتها واحدةٌ من التكتلاتِ الوطنية التي لا تعرفُ لها إحصاءً ، عبوة أشبه بلعبةٍ ملقاةٍ وسطَ الطريق ؟
ما الذنب الذي اقترفهُ لتحملَه المصادفةُ إلى العبثِ فيها بطرفِ قلمهِ الرصاص ؟
ليحملَ طيلةَ حياتهِ يدًا بلا أصابع !
و جسدًا مملوءًا بالخدوشِ و الندوب و الجراح ؟

بعدَ ذلكَ المشهدِ لم أستطع الاحتمال – و أنتَ تدركُ أكثرَ مني كيفَ أكونُ في تلكَ الحالة - ، فخرجتُ ميممًا اللاشيء ، سرتُ في الشوارعِ الباليةِ ذاتها التي مشيتُ فيها مرارًا ، و توقَّفتُ عند ذاتِ إشاراتِ المرورِ التي لعنتها جهارًا ، لأعرفَ أنَّ هناكَ شيئًا .. سلسلةً ما ، لكنها مصنوعةٌ من الذهب ، تشدُّكَ نحوَ هذه المدينة ، و أنَّني لن أستطيعَ أن أبعدَ مهما عَلِقَت و هيمنت على وجداني تلك الفكرة الطائشةُ بالرَّحيل ..

لم أملك غير الاعترافِ بأنني كنتُ غبيًا ، و لا شكَّ أنَّكَ في غمرةِ هذا الشعور ممتلئ ، و أنَّ إبرةً ما بقيتْ تحزُّ في جسمكَ مذ رحلت ، لكنَّكَ لم تعرفْ لها سببًا مقنعًا ، و ربما حاولتَ تجاهله بكل بساطة !
لا .. أنا لن آتيَ منصور ..
فلا تنتظرني ..
لأنكَ إذا انتظرتَ ستنتظرُ سرابًا ..


و لكنَّ عليكَ انتظارَ شيءٍ آخر ،
الطائرةَ التالية التي ستعيدكَ إلى الوطن ،
إلى حيثُ من تحب ،
و إلى حيثُ الطفولة تجدُ لها مرتعًا و رائحةً في كلِّ أرضٍ ، و على سفحِ كلِّ ربوة ،
عُد ..
فالوطنُ ينتظرُك يا صديقي ..
الوطنُ ينتظرُكْ !

دُعاء محيسن

19 يوليو 2012