27 نوفمبر 2013

سطوة الماضي.

  تلتفت إلى الخلف فتجدُ تراثكَ يلعنك؛ لا لشيء إلا لأنّكَ تهاونتَ في حفظه، حتى الحاضر يشمئزّ منك، يرمقك كأنّكَ غريبٌ، لا تمتّ له بصلة. أما المستقبل فقد سئم وعودك التي لم تفضِ إلا لخرابٍ أكبر. إلى أيّ حقبة تنتمي؟ لقد فقد قلبك بوصلته، وعقلك في طريقه للانهيار أيضًا.

الأيّام الأسوء لم تأتِ بعد. تردد بينك وبين نفسك. أتراك تحاول أن تخدع نفسك؟ أم تعزيها لأنّك وصلت للهاويةِ. لقد آن لك أن تعترف.
تجرّ قدميكَ جرًّا.. وتتساءل عن معنى اليأس. يقف الحاضر والمستقبل يطلبان منك التقدّم. أما الماضي فقد كفّ عن اللعن، وتسمّرت عيناه إلى شيء خلفك.

أيّ خيوطٍ تلك التي بوسعها رتقُ الفجوةِ بين ماضيك وحاضرك؟
لقد سئمت. سئمت الرتابة. سئمت كل شيءٍ. سئمت العالم الذي يردّك خالي الوفاض، بعد أن جئته مقبلا بالأسئلة. لقد سئمت نفسك..

تقف على حافةِ الجرف، فتستشعر ضآلة الحياة.. يبدو الجرف عميقًا، تنظر ثانية للماضي الغارق في صمته، ثم للحاضر والمستقبل الحانقين عليك. وتعترف خلسة أن الماضي وحده هو الذي يستحق التمجيد.

تغمض عينيك، تحاول تخيل عالمٍ آخر، لكنّ عالمك ذاته يلحّ.. بكل مشكلاته، بكل آلامه، وأفراحه. تكاد قدمك تنزلق، لكنك تجد الماضي، يمسكك، ويأمرك بالعودة. تختفي بقية الأزمنة، السطوة للماضي، الحاضر القريب، المستقبل الأبعد.

لكنّك تشير للفجوة؛ ثم لا تجد أحدًا.. لقد أعطيت فرصة جديدة، لكن لم يخبرك أحد عن كيفية جَسْرِ الفجوة. الأمل داخلك يتلبّد؛ لكنه لا يلبث أن يزهر. كلما زارك الماضي يزيد ارتباطك بحاضرك وتفاؤلك بقدوم المستقبل.

أنتَ أنتَ؛ ولن تتغيّر، ماضيك هو الذي يكتبُ حاضرك؛ وهو الذي سيتكفّل بمستقبلك.


دعاء محيسن

7 نوفمبر 2013

عندما تأتين..


وفي الحلم بدوْتِ حقيقيّةً، عدت إليّ، احتضنتني بكلّ شغفكِ، وأجلستني بجانبكِ، وقلتِ:

-       سأعود لأبحث عن الأميرة المفقودة!

وسألتكِ ببلاهةٍ:

-       أيّ أميرةٍ؟

فأجبتِ بسرعةٍ:

-       الأميرة التي خطفها جابر!



وتابعتِ دون أن أسأل، أو أن تنظري إليّ، وكانت عيناكِ ساحرتين وأنتِ ترددين:

-       سأتوقف عند البحر!

وعندها بدت عيناكِ ككوكبين يضيئان، وينثران النور عليّ.. وبدت لحظاتٍ سرمديّةً؛ لكنكِ نهضتِ، وسرت نحو الباب كطفلٍ هاربٍ من قبضةِ أبيه، وهناك، أرسلتِ لي قبلةً هوائيةً، ورحلتِ بخفّةً كما جئتِ.. وعندما استيقظتُ بحثت عنكِ.. فتّحتُ كل أبوابِ المنزل، ونوافذه صارخًا باسمكِ، وانتظرتُ أن تقفزي من مكانٍ ما، أو تخبريني بمكانكِ..

لكنكِ لم تظهري قطّ في غير أحلامي...



***

وأتيتِ ثانيةً، لكنكِ كنتِ باردةً كقصبةِ سكّر نبتت في الشتاء، وكعصفور فقد جناحيه، بقيت عيناكِ معلّقتين في السماء الرحبة.. لم تصافحيني.. وبدت عيناكِ اللؤلؤيتانِ غريبتين، جلستُ أمامكِ، لكنّ الضباب غشاكِ.. وكذلك فعل بي..

***
مر وقتٌ طويلٌ خلاله اعتدت غيابكِ، لم أكن أظنّ أنني سأتأقلمُ في النهاية، لكن هذا ما حدث فعلًا، تزورينني أحيانًا، لكنّ قلبي لم يعد يخفق بذات القوّةِ؛ تلك التي كانت تجعل جسدي بأكمله يرتعش... 

***


دعاء محيسن