26 يونيو 2014

حالات فيسبوكيّة

الفرح المباغت أجمل ما قد تهديه لنا الحياة، بينما نكون مشغولين بتجنّب المشاكل اليوميّة.
إنّه كقطعة السكر التي تذوب داخل الشاي وتجعل طعمه ألذّ..
- تعرف؟
- ماذا؟
- الحزنُ قطعة سكّر أيضًا، لكنّها مغلّفة بشيء آخر.. شيءٍ يجعلنا ننظرُ للأمور مجددًا بشكلٍ مختلف فننفعل.. إنّه لذيذٌ أيضًا.. أظنّ أن الله يرسله لنا، ليفتّح أعيننا..
- تعرف؟
- ماذا؟
- لا شيء.
 
________________
 
في الأحلام نذوب داخل عوالم كقطعة سكر في شايٍ ساخن، أنزلق من الوعي بهدوءٍ إلى مكانٍ لا أعرف له حدودًا أو فواصلَ..
كنتُ أتخيّل الكوابيس كائناتٍ تسكن الليل، وتفرّ نهارًا.. لم أعرف أن الكوابيس مؤلمة، وأنّها تلاحقنا حتى في النهار..
أراقب خطوط الجدران كلّ يوم، أراقب الأفق، الغيم، نفسي، كلّ شيء.. حتى أصل لمبتغاي، لكنّ ذلك يمسي قبضًا للريح؛ سدى يذهب.. ولذلك أخاف النوم...

أتعلمُ أين تسكن الأحلام؟
وهل أخاف النوم لكل ذلك؟ أم لأنّي مجرد كونٍ من الذرات، ومجرّد ذرةٍ في هذا الكون، تخاف الموت، تخاف انتهاء الأحلام..
 
إبريل 2014

21 يونيو 2014

محمد دودين

صباح الجمعة، البيت نائم، من حينٍ لآخر يمكنني التقاط صوتِ أنفاسٍ متلاحقة من إحدى الغرف، وشخيرٍ من غرفةٍ أخرى. قفزتُ من سريري، توجّهت للتلفاز، وقلّبت المحطّات وصولًا لمحطّة إخباريّة. أمقتُ السياسة، أمقت المحطّات الإخبارية، فما الذي أجبرني على ذلك؟ الصحفيّ يتحدّث بشكلٍ عاديّ -وجدته خاليًا من أيّ شعورٍ حقيقي- عن استشهاد طفلٍ عمره ثلاثة عشر عامًا، الطفل محمد دودين من قرية دورا -إحدى القرى الفلسطينية بالضفة الغربيّة.

تذكّرت الأضواء الحمراء التي رأيتها من خلال النافذة عندما استيقظت والخوف يقطر من جسدي عندما اهتزّ البيت جرّاء إحدى الضربات التي وُجّهت ليلًا إلى حي الزيتون بغزة. كان لغزّة نصيبها أيضًا في الكعكة.

أعودُ للمراسل الذي يحوم حوله عدّة شبابٍ يتطلّعون إلى الكاميرا وكأنّها شيء غير عاديّ، في الخلفية أرى سريرًا. المراسلُ يتوجّه نحو السرير، الجمع يفسح له الطريق، ويجتمعون حول الجسدِ الملفوف بعناية "سريعة". الوجه خفيف السمرةُ، جميل، وجهٌ ينتمي للأرض بامتياز لكنْ لا روح. جسدٌ هامد.. طفل لا يتحرّك؟
قام الملتفّون حول المراسل بفكّ الأربطة، ورفعوا ملابس الطفل وصولاً لأعلى صدره، حيث يمكن بوضوح رؤية الرصاصة التي اخترقت الجسد الغضّ، ألقت الأيدي الجسد إلى الخلف، حيث اخترقت الرصاصة الجسد وخرجت منه، سال الدم أحمرَ من الجرح، فمسحته يدٌ أخرى.
تُوجَّه الكاميرا مجددًا إلى رأس الطفل، وهنا لا أعود قادرة على رؤية شيء. تخيّلت نفسي مكانه، مكان هذا الجسدِ الصغير الطريّ، الذي غادرته الروح، أتخيّل أحلامي تهربُ من بين يديّ، أتخيّلني أبتسم قبل أن تخترق الرصاصة جسدي، وأتساءل خلال ذلك الجزء من الثانية إن كانت الرصاصة تؤلم إن اخترقت الجسد فجأةً، ثم لا أعودُ موجودة على الأرض، ويبدو السؤال تافهًا.

وبكيتُ كثيرًا، بكيت حتّى غطّت الدموع وجهي، ليس على محمد وسنواته الثلاثة عشر فحسب، بل على أحلامه التي ملأته، ثم فجأةً إذا بها تبخّرت. وتساءلت ماذا سيحدث إن اخترقت رصاصةٌ جسدي، وأين ستذهب أحلامي؟ هل هناك مكان تلجأ إليه الأحلام إن مات أصحابها قبل أن يحققوها؟ وتساءلت إن كنت فعلت ما أستحقّ أن أستحقّ الموت بعد. وتساءلت عن الله، هل يحبّني وهل أستطيع أن أقابله بهذا الشكل المزري؟ وتساءلت عن العالم الكبير، العالم الذي لم/لن ينتبه لوجودي/موتي/فناء أحلامي.

وتأكّدت أن العيش في مدينةٍ كغزة، وفي دولةٍ كفلسطين، لن يمنحني الأمان. سرى هذا الاكتشافُ بشكلٍ مفاجئ داخلي، وأخافني... لقد خفت من الفكرة، خفت لدرجةِ أن الدموع كادت تخترق طريقها إلى عيني مجدداً، نظرةٌ أخرى إلى وجه الطفل، المراسل الذي يتحدّث بشكلٍ عاديّ، نظرةٌ إلى داخلي، نظرةٌ إلى وجوه الناس العاديّة، إلى دوواخلهم المهزوزة منذ ولادتهم، نظرةٌ أخرى إلى داخلي، خوفٌ، ثم لا شيء.

لا أعرف لم لا تثورون يا جماعة؟ ولأي درجةٍ من "انحطاط" الإحساس وصلنا؟
لماذا منظرُ الطفلِ لم يعد قادرًا على إثارةِ أحاسيسنا، على إعادة الثورة غضّة داخلنا؟
وخفت، لأن مكانًا خاليًا من الثورة، من الاستعداد لها، مكانٌ غير آمنٍ للأحلام الغضّة...
نظرةٌ أخرى لوجه الطفل -الذي لم يكن فرحًا بالنسبة لي- خوفٌ آخر جديد.. وألم..

دعاء محيسن
21 حزيران

18 يونيو 2014

إلى صديقةٍ بعيدةٍ...



نمتُ يومًا كاملًا تقريبًا، ولمّا استيقظتُ شعرتُ بأنّ جسدي فارغٌ منّي، وأنّ روحي لمّا غادرتْ تاهت ولم تعد. قد تجدين أنّي على حافةِ الجنون بكل هذا "الهذر"؛ لكنّي كنت في حالٍ ميؤوس منها لساعتين، استلقيتُ على سريري، أتطلع نحو السقف منتظرةً عودة روحي -أو جزءٍ منها- ولمّا يئست ذهبتُ إلى الحمامِ، ووضعتُ رأسي تحتَ الماء، ولمّا كدتُ أختنقُ رفعتُ بثقلٍ رأسي، وعلمتُ أن ذلك الجزء التائه -أيًّا كان قد ذهب- قد عاد.

الأيامُ الأخيرةُ لم تُنمِّ داخلي إلّا شعورًا واحدًا؛ الخوف.
لم يبد العالم من قبلُ مشوّشًا ولمْ أكنْ من قبلُ تائهةً إلى هذا الحدّ. إن الحقائق تنقلبُ على ذاتها، وذاتي تنقلبُ عليّ، والأسئلة التي كنت أعدّها مسلمًا بها أصبحت غير مقبولة!

اكتشفتُ مؤخرًا كم هو سهل العيش على طريقةِ اللامبالين، كم هو مدهشٌ ذاك الهدوء، الرضا-الكاذب- الذي ينسحب داخلك كلما رفضتَ الاستماعَ لتساؤلاتك، كلّما هززتَ رأسكَ معرضًا عنها.
واكتشفتَ أنّ اللامبالين هم أيضًا جبناء؛ لأنّهم خشوا ذلك الإلحاح العجيب داخلهم لإيجاد إجاباتٍ شافيةٍ عن أبسط الأسئلة حول أنفسهم، وحول العالم.
أمّا أولئك الذين أرادوا إجاباتٍ، فقد كسبوا أنفسهم، ولكنّهم خسروا الهدوء -الكاذب- واستبدلوه بشجاعةٍ لا تهدأ، وأسئلة كثيرةٍ متلاحقة، وإجاباتٍ غير مرضيةٍ بعد.
أولئك الذين اختاروا الطريقَ الأصعب؛ لن تملّ نفوسهم عن تثبيطهم.. أمّا الذين ارتضوا الواقع -الكذاب- فلن تفتأ نفوسهم تُطمئنهم.

إنّ متابعةَ الطريقِ صعبة، لكنّي كلما تذكرتُ وجودَ جزءٍ من الحقّ داخلي، وجود أثر من نفخةِ الله في آدم داخلي، امتلأت نفسي طمأنينة مجددًا.. وانسحبَ الخوفُ إلى المجهول؛ حتى يصعد مجددًا فجأةً.