19 أغسطس 2014

الكتابة لأجل الكتابة.. تشاؤم بحت..

أريد أن أكتب فحسب.. للفترةِ الطويلةِ التي مرّت دون أن أكتب شيئًا حتى كدت أفقد إيماني بقوّة الكلماتِ وقدرتها على إحداث تغيير ما.. أشعر أنّي خلال هذه الفترة أضعف من أيّ وقتٍ سبق.. لقد انهارت أحلامي تباعًا.. العالم لم يعد ورديًا، هو ليس كذلك.. لم يكن يومًا.. أشعر برغبةٍ عميقة لأكون وحيدة، لأتحدث مع نفسي فقط، وأتساءل إن كان هناك أيّ صوتٍ داخليّ سيجيبني.. كلما كبرنا أصبحتِ الخيارات أقلّ، وأصبح المجتمع يقيّدنا أكثر وأكثر.. لا أشعر بانتماء إلى أيّ مكانٍ في الأرض سوى غرفتي.. ولم أستشعر يومًا أن غزة مدينتي، وفلسطين وطني.. ذلك لأنّي منذ صغري رغبت بالسفر، رغبةٌ ملحّة جدًا، لم تجد طريقًا.. ويبدو أنّها لن تجده.. أعرف أنّي متشائمة كثيرًا هنا، أعلم أنّ هذه ليست طبيعتي، أعلم أنّي لست مخطئة، ولست مصيبة أيضًا، لكنّي أريد أن أكتب فحسب..

حسنًا... ماذا هناك أيضًا؟ آه... أتذكّر خلال هذه الفترة الأشياء التي كنت أعتاد على فعلها في صغري.. كنتُ دائمًا أختبئ تحت السرير وأدّعي أنّي اختفيت وأطلب من إخوتي البحث عنّي.. كنت أكتب في ورقةٍ أنّي ضعت وعليهم البحث عني، أحياناً كنتُ أختبئ تحت الفراش وأضع فوقي الأغطية، وأتسمّر هناك ساعات.. كثيرًا جدًا لم يأتِ أحد.. الآن، بينما أفقتد سريري بشدّة، وأفتقد أغراضي الصغيرة التي ملأت بها خزانتي -كلّ ذكرياتي- أكاد أبكي، لأنّه حتى المكان الذي أحبّ، المكان الوحيد الذي أشعر فيه بالأمان والحب، وأنّ العالم جميل، أصبح بعيدًا.. وأصبحت لا أرغب به.. وأتمنّى لو فتحت المعابر وخرجت فقط لا ألوي على شيء.. فقط أريد هواءً جديدًا، لغة أخرى، أناسًا جدد.. عالمًا أزهى.. أجمل.. وذكرياتٍ أفضل..

كانت هناك مرآة فوق المغسلة، كنتُ في صغري أقفز حتى أرى وجهي، لم أتوقّف عن القفز إلا لأعود للبيت وأدرك أنّي أصبحت طويلة كفايةً لرؤية وجهي كاملًا دون الحاجة للقفز.. أبكي كلما أفكّر بالأمر، كيف حدث ذلك؟ ومتى توقفتُ عن القفز؟ متى أصبحتُ طويلةً هكذا؟

أشعر بالوحشة عميقة جدًّا داخلي... أعرفُ أنّي خلال السنتين السابقتين غيّرتُ كثيرًا من مبادئي لتتماشى مع رغباتي.. اتّبعتُ كثيرًا من الاشياء التي لم أؤمن بها.. أذكر أن أخي قال لي مرةً:
لا تقللي من قدر نفسك دعاء. Don't underestimate yourself, Doaa.

وكنت أريد أن أردّ وأقول إنّي امرؤ عرف قدر نفسه.. إنّي هباء ولا شيء.. لكنّي هززت رأسي..

أريد كتفًا لأبكي عليه من الصباح حتى المساء.. أريد أن أشبع بكاءً.. ثم سيكون كلّ شيء بخير.. المشكلة أنّ البكاء أصبح بعيد المنال، وأنّه كمغناطيس الوساوس.. أشعر بالدونية وبالصغر كلما نظرت في الخريطة.. كلما فكرت بالكون وبالله.. وبأنّي شيئًا فشيئًا تخلّيت عن أحلامي.. من اجل غيري، وربما من أجلِ أن أعيش ببساطة وعادية..

لطالما لعبتُ دور الشخص الذي يخفف عن الآخرين أحزانهم وآلامهم.. لطالما لعبت ذلك الدور، أحببته، ورضيت به، لكن يبدو أنّي في غمرةِ بحثي عن الآخرين، نسيت نفسي.. ولمّا صببت كل طاقتي نحو غيري، لم يرتدّ الكأس نحوي.. لم يفعل..

الآن، بينما تلتهب حنجرتي، وأكتم نشيجي، وأحبس الدموع في عيني، الأمور قد تصبح أفضل.. ربما.. عندما أجد شخصًا يتحمّل بكائي.. I've made many mistakes, and I want to start over.

لكن ما فائدة الحياةِ إن لم نرتكب الأخطاء؟ كيف نعيش حياة حافلة بكل التجارب إن لم نرتكب الأخطاء.. والكثير منها.. لكن ماذا عن أثرها؟ ماذا عن الألم الذي تسببه؟ ماذا عنه؟

مدونتي، احتفلت هنا بثلاثة أعوام من حياتي.. أودّ أن أعود مجددًا إلى الفترة التي كنتُ فيها أنقى.. لا أريد أن أتحمّل ضيق صدري الآن.. لا أريد أن أحمل معي أخطاءً ارتكبتها بدافع الرغبة في التجربة.. الآن.. أتساءل كثيرًا عن النيّة.. أتساءل كثيرًا ولا يقود الأمر إلا إلى عينين منتفختين..

أعلمُ أنّي أتحدث كثيرًا، وأهذر.. أحكي كلامًا غير مرتب، ولا أعرف لم أريد أن أكتب، لأنّ لا احد بقربي مؤخرًا، لا أحد يمكن الوثوق به ربما ليتحمّل سماع أخطائي والتخفيف عنّي بصدقٍ أردت أن أكتب.. أعلم أنّي سأهرب الآن إلى كتاب ما، وأنسى كلّ هذا.. لأنّ هذا ما فعلته خلال الشهور الماضية.. أعلم أنّ حالتي أصبحت أسوأ.. وأعلم أن الله يختبرني.. وأعلم أنّه قريب.. لكن كل شيء لا يزال صعبًا... والأمور تصبح أكثر تعقيدًا...

قبل فترةٍ حلمتُ حلمًا رائعًا.. كان عن مغامرةٍ خضتها في عالم عجيبٍ، وكان عليّ القفز ولمس السماء ثلاث مرات حتى تفتح، ويعود كلّ شيء بخير وجيدًا.. أحلم نادرًا -بالاحرى لا أتذكر أحلامي- وكان هذا الحلم لطيفًا وجميلًا لدرجةِ أني تعلقت به وحاولت تذكّر تفاصيله كلّ مرة..

أذكر أن أحد المدونين قال لي مرة إنّي أنتقي كلماتي كلمة كلمة، وأجبته بأنّي لا أفعل، وأنّ اللغة هكذا ببساطة تتسلل من رأسي وتكتبها يداي.. أقول هذا لأنّي مؤخرًا فقدت القدرة حتى على استرجاع الكلمات التي كنت أحب استخدامها، وأصبح إمساك القلم صعبًا.. وأتساءل إن كنتُ سأحقق حلم طفولتي بأن أكون كاتبة.. هل يحبّ الناس الكتّاب المتشائمين؟