15 سبتمبر، 2014

الرصاصة حرّة، وستنتقم!

1
مؤخرًا، أصبحت أؤمن أنّ الموت بطيء جدًّا، فعندما اخترقت الرصاصة الشبّاك مارّة قرب عيني بإنشات كان بوسعي سماع صفيرها الحاد، رؤية جسمها الأصفر، الخطوط التي تلفّها، ومقدمّتها المدببةِ، وكلّ تفاصيلها الصغيرةِ، لكنّ الرصاصةَ أخطأتني مصيبةً حائط غرفتي، ومختفيةً تاركة وراءها حفرة صغيرةً بحجم عيني، كلّما مررت بجانبها، أرمقها بطرف عيني، وأدرك أنّ التهوّع ليس مرتبطًا بجهازي الهضميّ فحسب، بل يمتدّ ليعلو جسدي كلّه.

يصبح الأمرُ مخيفًا في الليل، عندما أبحث في الظلام عن موقع الحفرةِ ويهيّأ إليّ أنها عيني التي كانت ستستقرّ هناك، وأنّ الرصاصة مختبئة تنتظر الثأر، يعودُ إليّ صوتها فأهرب من الغرفةِ وأخجل أن أطلب حضنًا من والديّ في تلك الساعة المتأخرة، وبدا الموت حينها أجمل من الكوابيس التي تمتلئ بأصوات الصفير والأعين الحمراء.

أخبرت والدتي والدي أنّي لا آكل ولا أنام، لكنّي أخبرهم بأنّي شبعت، في الحلم شبعت وشبعت وشبعت من كلّ شيء.. على الرغم من كلّ ذلك، قررت ألا أخبر أحدًا بخصوص الحفرة أو الرصاصة، خاصةً والدتي فهي تقلق كثيرًا وهذا يزعجني.. أظنّ أنّي مائقة أحيانًا، بدت الأمور أفضل على تلك الشاكلة، غطّيت الحفرة بقماشةٍ صغيرةٍ بلونِ الحائط، لكنّ ذلك لم يمنعني من البحث عنها لأجدها دومًا مكانها.. سألت الله كثيرًا أن يجعلني أنسى كلّ شيء عن الرصاصة والحفرةِ، لكن بعد أن مرّت ساعات وأنا أنتظر قررت أنّ هناك شيئًا خاطئًا فعلته وأني أستحقّ ذلك، أخذت أحصي المرات التي شتمت فيها إخوتي والمرات التي أغضبت فيها والدتي، وبدا ما أعانيه عادلاً، حسنًا، أستحق ذلك!

2
الحفرة لم تعد موجودة! تحققت من ذلك أكثر من عشرين مرة لكني لم أجدها! على أنّ هذا لم يرحني، فلا زالت الرصاصة مختبئة في مكانٍ ما، وبدا اختفاء الحفرة طالعًا سيئًا، بحت لأمي بالأمر لكنّها ضحكت، وكادت توقع الصحن الذي بيدها لكنّها لم تتوقف عن الضحك! غضبت وقلت لها إن الرصاصة حرّة ولا بدّ لنا جميعًا اتخاذ الاحتياطات اللازمة! وإنّي لم أخبرها إلا لأنّي قلقة على الجميع! لم يزدها ذلك إلا ضحكًا، ضربت قدميّ بالأرض، وخرجت تجاه الباب وصرخت:

-          الرصاصة حرّة، وستنتقم! لقد حذّرتكِ!

6 سبتمبر، 2014

عزيزتي البعيدة جسدًا وروحًا الآن..

عزيزتي البعيدة جسدًا -وروحًا الآن..
أنا ريح صغيرةٌ، ويموتُ عمري أمام عيني، وكلّما فكرتُ بالمسافاتِ بيننا نبتت سنابل توقٍ داخلي وامتدّت الأعشاب على راحتيّ، لي في كلّ مكانٍ غيمةٌ وظلّ وشجرة، ولا أكاد أحصي الفراغ بين عالميّ.
أنا غاضبة ومكسورة، وأودّ فقط أن أختفي، لأنّي ببساطةٍ لا أستطيع أن أجلس فأرتق كل الآلام التي طفت فجأةً على سطح قلبي كما يرتق الخياط القمصان!
كلّ ذلك كان مجرّد عبث، لأنّ الشيء الوحيد الذي تبقّى، هو ملمس يديكِ على وجنتيّ، لأنّهما تبعثان داخلي الحبّ والرغبة في الاستمرار من أجلهما.. أما الكلمات فلم تعد تثيرني، لقد عُلكت وانتهى الأمر.
أحبكِ، وسأعطيكِ رأسي لتجففيه من المطر، لكنّه مبلل من الداخل، فهل تستطيعين الوصول إليه؟ هذا لأنّ أيامًا قليلةً مرّت على غيابكِ، لكنّها انشطرت وانقسمت وأنتجت ما لم يخطر لي ببال.. ذلك لأنّ كلماتكِ ترنّ في أذني كلما نظرتُ لنفسي في المرآة وتخيّلتكِ بجانبي، كلما خطوتُ على حافّةِ الرصيف وتخيلتكِ تحصين خطواتي، وتخبرينني أنّي هشّة جدًّا، وأنّ كل الشراسة التي أبديها ليست إلا لإخفاء تلك الهشاشة، وشعرتُ دومًا بكِ ترقبينني من بعيد، تخافين انكساري، ولمّا حدث، لم أجدكِ!
والآن بينما أشعر ببرودةٍ تجتاح جسدي، عالمي، ماضيّ، حاضري، ومستقبلي، أبحث عنكِ مجددًا ولا أجدكِ! وبينما تقلّصتُ إلى كرةِ قطنٍ مندوفٍ، ونُكئت جراحي فتحولت إلى خليط من الندوب أسمع صدى صوتكِ ولا أجدكِ! أتلعبين معي الغمّيضة؟ أعلنُ خسارتي، إذ إنّي ضعتُ وأنا أبحث عنكِ ولم أجدكِ!
هل عقد أحدهم تحالفًا مع الحظّ من قبل؟
فهو إمّا يكرهني أو يكرهني بشدّة! لِمَ لَمْ يعد يأبه بي؟ لم اختاركِ؟
أعرف أنّي سأناديكِ في أحلامي، وسأستيقظ كثيرًا وأنا أبكي، أبكي غيابكِ، وأبكي أنّي لم أستطع أن أتمسّك بكِ، كسندباد الذي ربط نفسه بالرخ، كالعلق، كالغبار وكالحصى الذي يلتصق بأقدامنا ونحن نخوض معترك الحياة.. لكنّ البكاء رغم كلّ شيء يهدّئني ليوم آخر.
لا تدع قلبك يتراخى
أنظر.. لا أحد اصطُفي
ليأخذ ما يملك معه
أنظر.. لا أحد ممن ذهبوا يعود.*
لكِ،
غيمة.
الأربعاء 3 سبتمبر- الكتابة تُذهب أثر الأيّام السيئة، تُذهب الغضب والحزن وكلّ شيء..
أشعر بارتياح كبيرٍ.
*نشيد فرعوني- عازف الهارب الأعمى (قرأتها في كتاب مائة تدوينة وشدتني، وقرأت النص وأعجبني.)