29 نوفمبر 2016

مذكرات 29 نوفمبر

نوفمبر 29

كنت حتى اللحظة الأخيرة مترددة في المشاركة في احتفالية الأدب في الجامعة، قرأت نصًا كتبته منذ فترة طويلة، لا زلت غير قادرة على أن أثق بقدرتي على التعبير عن نفسي بطلاقة بالإنكليزية على الرغم من أن أصدقائي ومشرفيّ يقولون إنّ لغتي تبهرهم. بكيت وأنا أقرأ، وشعرت بالخجل من نفسي لعدم قدرتي على التحكم بنفسي أمام جمهور، وعندما انتهيت خرجت من الغرفة وأنا أبكي فخرج أساتذتي واحتضنتني الدكتورة جانيت، بكيت لدقائق على كتفها، كانت عيناها حمراوين وكلما أردت أن أتوقف عن البكاء كانت تقول إنّها هنا من أجلي، أما مستر كيفين فربّت على ظهري وهو يرتعش، الدكتورة غوبتا كانت تبكي وقالت إنّ قراءة النص تختلف تمامًا عن الاستماع إليه.

قلت لروث مرةً ربما أكثر ما يحتاجه الفلسطينيون هو أن يعطوا أنفسهم فرصة ليبكوا، لا يستطيع أحد أن ينكر أنّ أرواحنا مشوهة بعض الشيء، لم أكن أعطي تبريرًا للوضع الحاليّ وللمشاعر السلبية ولكنّه كان شعوري إزاء كل هذا. كل هذا يذكرني برفيدة بشكل أو بآخر، لم؟ لأننا بكينا كثيرًا لدرجة أننا "قرفنا" أنفسنا.

علاقتي بمستر كيفين هي واحدة من أفضل وأقوى العلاقات التي كونّتها في كارول، يدعوني لمكتبه ونتحدث كثيرًا عن مواضيع مختلفة، تلقيت منه إيميلاً ظهيرة اليوم قال فيه:

Doaa,



Thank you a thousand times. Your essay was powerful and painful and beautiful.

For so many years, my own father denied me a voice, leading me to believe I had nothing of value to say to anyone. I’m not sure he really meant for me to feel that way, or perhaps he did. In any case, it took me many years to give myself permission to have a voice, to write, to publish, and to hope for an audience.

You have a voice, a powerful and beautiful voice.

May God bless you a great audience.



ذهبت لأغسل ملابسي الليلة، وفجأة قالت لي الفتاة التي كانت تغسل ملابسها بجانبي، إنّها استمعت إلى قراءتي وأنها ممتنة لأنني شاركت ما شاركته وأن أستمر بالكتابة، كان ذلك مفاجئًا ولطيفًا.

على الرغم من إدراكي لقوة الكلمة، إلا أنّ ثقتي بنفسي كانت واحدًا من الأشياء التي فقدتها في الثلاث سنوات السابقة مع كل التغيير الذي حدث في حياتي والذي كنت أشعر أنني بحاجة للمزيد من الوقت لتقبله، كنت أتغير يوميًا، احتجت هذه التجربة لأبني ثقتي بنفسي مجددًا، بدون أن أعلم تحولت إلى كل هذه الأشياء معًا، أنا خلطبيطة بالصلصة.

البارحة كنت أناقش باميلا بخصوص ستاندينغ روك، فقالت بعد أن أخبرتها برأيي بخصوص مشاركتها: "يبدو أن لدي عرابة في فتاة في سن العشرين!" ثم سألتني: "كم واحدة منكنّ هناك؟"

كان ذلك مضحكًا، كنت أتحدث معها عن صعوبة تقبّل الناس لكل أوجه شخصيتي وعن ولعنا كبشر بتصنيف الآخرين بحيث نسهّل على أنفسنا التعامل معهم وتغاضينا عن ما يمكن أن يتكشّف لنا مع الوقت. كانت فكرة ناقشتها بالفعل مع رفيدة. لا نتحدث كثيرًا مؤخرًا، وأنا قللت كتابتي.

هذا كلّه ذكرني بالخطاب الذي ألقيته في الورشة الختامية للبرنامج، لا زال بعض الأشخاص يراسلونني ويخبرونني أنّ ما قلته كان مؤثرًا وأنّ عليّ ألا أتغير، البعض ذكرني في تعليقاته وقال: "دعاء قالت كذا وعلينا أن نفعل كذا.." لا أحد منهم رآني قبل أن أصعد إلى المنصّة، قضيت اليوم وأنا أتساءل إن كان خطابي سيغير شيئًا، وقلت لرفيدة إنني لن أذهب، ويمكنني أن أكتبه لمجلّة البرنامج، ولكننا عدنا لنفس نقطة أنّنا غالبًا ما نندم على ما لا نفعله، بدا الأمر حقيقيًا، فغيّرت رأيي وذهبت. أرسلت لي رفيدة البارحة تسجيل النصّ الذي قرأته في نادي الكتابة، وهو نصٌ كتبته لي في العيد السابق.. أنا هنا.. أنتِ هناك..

مرّ أكثر من شهر منذ تحدثت مع إيهاب، والبارحة فاجأني برسالة لخّص فيها ما يحدث معه منذ فترة، قال إنّه غير قادر على إعطاء مسمّى واضح لما يحدث معه، ربما هو إرهاق أو "قرف". لا أعرف كم عالمًا تمكّن إيهاب من ولوجه، في كلّ مرةٍ أتحدث فيها معه يرسل لي نصًا قصيرًا كتبه منذ عام، ويقول إنّه أكثر نصوصه صدقًا وتفاؤلاً وبؤسًا. أرسلت له صورًا للثلج، ثم ضحكنا لأنّ الصورة كانت "كصور التلفاز" وأخذنا نتخيل أنني دخلت التلفاز وأنّ بوسعه مشاهدتي الآن.

راقت تسريحة شعري القصيرة لماما، اضطررت لإخفاء شعري بقبعة لشهر تقريبًا عندما كنت أتحدث معها لأنني توقعت ألا تكون راضية عما فعلته، ولكنها أعجبتها! بينما كان خالد وعلي يقولان إنني أبدو كفتى الآن، ماما قالت إنّ قصة الشعر هذه تلائمني. "غابرييل قالت إنني أجمل من أن أبدو كفتى." رددت على خالد وعلي وقلت لهما إنني لا أهتم لرأيهما وأنهما شريران ولكنّ هذا جعلهما يضحكان أكثر. توجد ثلاث فتيات فقط في الجامعة بالإضافة إليّ يمتلكن شعرًا قصيرًا، الفتيات في كارول تقليديات، يرتدين ملابس عادية وتصرفاتهنّ أيضًا عادية ومعظمهنّ بشعر طويل مفرود.

وضعت أحمر شفاه لأول مرة في حياتي منذ عدة أيام حيث نسيت بيان- السعودية التي شاركت معها الغرفة في واشنطن دي سي- أحمر الشفاه الخاص بها في الغرفة وهي توضب أغراضها بسرعة لأنها تأخرت عن موعد طائرتها، التقطه عن الأرض وقررت أن أرسله إليها بالبريد ولكنها رفضت عندما أخبرتها، فقلت لها إنني لا أستخدم هذه الأشياء وإنني قد أضطر لرميه، فقالت يمكنني أن أحتفظ به لأنّها اشترته من يومين ولم تستعمله أو أعطيه لأحد، حدث أن ذكرت الأمر لرفيدة، فقالت: "هذا شانيل!" كنت أمسك أحمر شفاه لماركة لم أسمع عنها إلا في الكتب، اكتشفت أنّ قطعة الميك اب هذه تكلف ٤٠$ تقريبًا، قالت رفيدة إنّ عليّ تجربته لأعرف لم سعره غالٍ هكذا، قلت لم لا، كان لونه أحمر وجذابًا، أرسلت صورة لماما وأنا أضعه فقالت إنّه يجعلني أبدو كفتاة حقيقية، ولكنّ ما رأيته هو أنّه جعلني أبدو أكبر سنًا، لم أكوِّن موقفًا تجاه ذلك، غالبًا ما يظن الناس أنني في السابعة عشرة أو أصغر، وهذا يروقني. شيماء قالت ساخرة إنّها خطوة إيجابية.

كان موقفًا طريفًا بالمجمل. على كلٍ، قررت الاحتفاظ به في الدرج على الأقل للاحتفاظ بالذكرى، عندما فكرت بالأمر اليوم وبردة فعل بيان عندما أخبرتها أنني لن أستعمله، وبعد إدراكي لأنّه غالٍ شعرت بالسذاجة، وبأنّ تأخر إدراكي لقيمته قد يكون قد أحدث سوء تفاهم. أنا مولعة بابتزاز شيماء، وقد يكون وسيلة أخيرة لابتزازها قبل أن تسافر هي وخالد.

دانييل لا تزال نائمة، أشعر بالذنب لأنني شكوت من أنها تنام مبكرًا وتشاهد فرندز طيلة الوقت لعدد من زملائي، فهي على الأقل مرتبة وهادئة. ها أنا أصبح درامية وأحاول تحسين كل شيء لأنني سأغادر بعد أسبوعين. باه.

28 نوفمبر 2016

مذكرات 28 نوفمبر

تتحدث كامليا انتخابي فرد في مذكراتها عن كونها وجميع الإيرانيين مجرد أداة استخدمت في تحقيق حلم شخصٍ ما، أمّا همبرت في لوليتا فيحاول بشتى السبل إقناعنا بأنّ ما فعله بلوليتا كان مبررًا بدءًا بوفاة شبقه الأول "آنابيل" بالتيفوس، فهو لم يستطع أن يتخلّص من ندم كونه لم يتمكّن من جسد "آنابيل" قبل موتها في سن الثالثة عشرة، ولذا حاول أن يبعثها في لوليتا بشكل وحشي.

يستذكر همبرت لحظاته القليلة المحمومة مع "آنابيل"، ثم يخبرنا عن صنف من الفتيات أطلق عليهمّ "الحوريّات المسعورات بالشبق" وهنّ الفتيات اللاتي يثرن الرجال المسعورين معللًا أنّ الفساد كامنٌ فيهنّ "هنّ" وأنّه مجرد ضحية لضحكاتهن الغنجة.

يحاول همبرت أن يستميل هيئة الملحفين فيدّعي أن النّساء الرقيقات اللطيفات هنّ الأكثر قدرة على تفهم ما حدا به إلى فعل ما فعله بلوليتا، في الحقيقة لم يكن اسمها لوليتا؛ اسمها الحقيقي دولوريس، ولكن لوليتا هو الاسم الذي أطلقه عليها همبرت في رغبته المسعورة بالتحكم بها، وفي تحويلها إلى الكائن الذي أراد.

ليس لدى همبرت مشكلة في أن يكون صريحًا معنا، ويخبرنا بأنّه تزوج "تشارلوت" -زوجته الثانية بعد طلاقه من الأولى التي فضلت رجلًا آخر عليه- لولعه بابنتها لا أكثر، وعندما عرفت بالأمر، كانت في طريقها لتسليم ثلاث رسائل احتوت إحداها طلب الطلاق، ولكن شاحنة دهستها وهي في طريقها لتسليم الرسائل إلى البريد، وعندما وصل همبرت إلى جثتها مزّق الأوراق وابتسم لحظّه الذي منحه فرصة الوصاية على لوليتا.

يروي ردة فعل لوليتا تلك الليلة فيقول: "لقد جاءت إلى غرفتي في منتصف الليل وهي تنتحب، وتمّ ما تمّ بيننا بكل رقّة ولطف." ولكنّه يؤكد المرة تلو الأخرى أنّ لوليتا لم يكن لديها مكان آخر تلجأ إليه، إنّها لم تختر أن تتحول إلى الفتاة التي تعطي جسدها لرجل في الأربعين من أجل الحصول على بضعة ورقات نقدية لشراء الحلوى، ثم المرأة التي استطاعت أن تهرب وتتزوج برجل أحبّها ولكنّها كانت قد تحوّلت إلى امرأة مختلفة تمامًا، ببطن مكوّرة وبرائحة الطعام التي تنبعث من ملابسها المتّسخة.

لقد استغل همبرت سذاجة لوليتا وعدم خبرتها في إقناعها بالبقاء معه، وبأنّ بقاءها معه هو ما سيكفل لها حياة أفضل بدلاً عن الإصلاحية، لقد هددها بحبسها في منطقة نائية وتعليمها اللاتينية والفرنسية، ولفتاة تبغض المدرسة والكتب، لم يكن لديها خيارٌ آخر.

لقد كانت لوليتا حلم همبرت، وكانت الاداة التي استخدمها في استعادة شبقه القديم في بحثه عن "آنابيل."

إننا أيضًا نتحوّل لأدوات مختلفة في أيدي مجانين يحاولون أن يجعلوا منّا جزءًا من حلمهم الخاص، إن الانفكاك ومحاولة خلق الحلم الأصيل ليست بالمهمة السهلة ولكنها حتمية وإلا فالذوبان هو الخيار الوحيد مع تكرر همبرتيين بكلّ الأشكال المحتملة، أليس هذا مرعبًا؟



أشعر أن وجودي في غزة كان يجردني من تجربة الأشياء التي آمنت بها لفترة طويلة ولكنني لم أكن يومًا قادرة على تجربتها أو حتى الإيمان بقدرتي على فعلها. لا أودّ أن أتحوّل إلى أداة أنا أيضًا. لا أريد.



المكتبة هادئة كالعادة، أصبحتُ أشرب القهوة بين الحين والآخر ولكن ليس لدرجة الإدمان بعد، اليوم عندما كنت أتحدث مع ماما، كانت تقول منذ متى تحبين كذا أو تفعلين كذا، وكنت أضحك، وأردت أن أخبرها وهي تضحك على الحركات التي كنت أفعلها بوجهي قبل أن أغلق الخط إنني أشتاق إليها وإنني أتمنى لو كان بوسعي أن أجلس في حضنها وأخبرها عن كل ما أشعر به، عندما أسررت إلى كافيدا عن بعض التناقضات في حياتي قالت إنّها لا تتخيل أن تفعل ما أفعله،"هذا جحيم!" قالت، وأنني أعاني، فقلت لها إنني متصالحة مع شكل حياتي.



كرمل، زوجة توم، قالت لي إن حقيقة كوني واعية بما أفعله ستجعلني قادرة على اتخاذ قرارات راشدة وصائبة عندما أكبر. ربما؟

عليّ أن أردّ على كلّ هذه الإيميلات أيضًا، وكل رسالة تختلف في طريقة صياغتها عن الأخرى، الأمريكان عقدوني يا الله.

لا زلت غير قادرة على مخاطبة أساتذتي باسمهم الأول ولهذا أتجنب وضع اسمهم في سياق حديثي. إنها السابعة تقريبًا وقد بدأت تثلج، كان مستر كيفين وزوجته ليندا قد وعداني بأخذي إلى مكان تتساقط فيه كمية أكبر من الثلج حتى يكون بوسعي اللعب بالثلج قبل أن أغادر هيلينا بعد أسبوعين وقد أرسل إليّ قبل قليل إيميلًا وقال إنّه وليندا اختارا Memorial Falls، وعلى ما يبدو سنذهب السبت.

الاستماع إلى Spirited Away- Always with Me يدوخّني، يؤلمني، ويرسلني في دوامات زرقاء، على الرغم من أنني لا أفهم أي كلمة مما تقوله المغنية ولم أحاول يومًا معرفة ما تقوله في رغبة بألا أفسد علاقتي مع هذه الأغنية إلا أنني أستمع إليها بينما أكتب أوراقي البحثية في الطابق السفلي من المكتبة، أعيدها ست ساعات ولا أشعر بالملل. تأتي روشني فأضع ‘إحدى السماعتين في أذنيها ولكنّ الأغنية لا تروق لها.

يبدو أنني سأبقى في المكتبة حتى وقت متأخر جدًا، كان أساتذتي يتوقعون مني أن أقرأ المقرر عليّ في فترة غيابي والآن عليّ أن أعوض عن الأسبوعين السابقين في يومين! مررت اليوم على أستاذ اللاتينية فسألني عن رحلتي فأخبرته أنّه وعلى الرغم من أن تجربة واشنطن- مقاطعة كولمبيا جعلتني أدرك أن هيلينا مكان ممل بعض الشيء إلا أنّها مكان آمن جدًا ومريح وفيها عدد قليل من الناس على الرغم من أن الهدوء فيها مخيف أحيانًا فأضطر لإصدار بعض الضجيج حتى أتأكد أنني لم أقضِ، يمكنني أن أخرج حتى الثانية فجرًا ولا أشعر بأي قلق من أي نوع، تطلّب الامر وقتًا حتى بنيت هذه الثقة مع المكان، والآن عليّ أن أفارقه، رايتشيل كانت تخبرني كم سيفتقدونني وأنها تودّ وضعي في خزانتها، أمّا لورا فقالت إنّني يمكن أن أسكن معها، حولتُ الأمر إلى طرفة على الرغم من أنني سأفتقد المكان حقًا.

وظيفتي الجديدة ستتطلب أن أبني كل هذه العلاقات، وعلى الرغم من أنّه أمر غير محبب للنفس، إلا أنّه مهم (باه، أحاول أن أخرج من قوقعتي بعض الشيء، لسبب ما باميلا تظن أنني أفضل من يمكن أن يفعل هذا، المشكلة أنني لا أودّ أن أتحمس كثيرًا، أنا أتحمس بسرعة ثم تخبو حماستي بعد فترة، ربما لأنني أضجر بسرعة، من الصعب تسليتي). لذا سألت عددًا من أساتذتي إن كانوا يرغبون بالتشبيك مع طلبة وكتاب من غزة، تحدثت مع الدكتورة برناردي ورحّبت بالفكرة وقالت إنّ عليّ مراسلتها حيث ستجعل هذا التبادل جزءًا من مقرر مادة "الكتابة ١" في الفصل القادم. ثم تحدثنا عن عودتي، وأخبرتها أنني لا أشعر بالاشتياق لأهلي أو أصدقائي (ربما لأنني أتحدث معهم بين الحين والآخر؟) وقالت إنّها مرّت بتجربة مماثلة عندما كانت في إيطاليا، وكان أصدقاؤها يقولون إن عليها أن تجاملهم على الأقل، قلت لها إن الأمر يحدث معي أيضًا، وإنني لا أحاول أن أكون لبقة وأخبر أصدقائي أنني أشتاق إليهم وللعودة. لو كان الأمر بيدي لبقيت.

المشكلة هي في: إلى أين أعود؟

هذا يذكرني بأغنية How You Gonna Keep 'em Down on the Farm

How you gonna keep 'em down on the farm after they've seen Paris. ينطبق هذا عليّ تمامًا.



روشني تبكي كل ليلة منذ أكثر من شهر لأنها تتساءل لم أرسلها الله إلى هذا المكان بالذات وإن كان أحد سيذكرها، هذا القلق مرعب. يذكرني بالمقدمة التي كتبتها معلمة الأدب لكتاب مارينا والذي قالت فيه إننا عندما نرثي شخصًا مات وهو في ربيع عمره نقول: "كان هناك الكثير مما كان يمكنه فعله." ولكنّها عقّبت أنه في حالة مارينا فهي قد فعلت كل شيء يمكن أن يذكرنا بها وكان عليهم فقط وضعه في هذا الكتاب.

على الرغم من أن ما كتبته مارينا لم يرق لي كثيرًا، إلا أنّ وصف معلمتها لها جعلني أشعر أنّها كانت تشبهني كثيرًا، بشكل ما كلتانا تفعلان نفس الشيء، نحن نحتفظ بدفتر نسجل فيه تفاصيل لا يهتمّ بها أحد نعتبرها مثيرة للاهتمام تحولت مع الوقت إلى إدمان، نحتفظ بها في مكان قريب بحيث يمكننا تناولها أينما كنا، في الدرس والسيارة وبجانب السرير، النظرة التي تعلو وجه شخص ما وهو يتحدث، حركة يد النادل، الكلمات التي نحب استخدامها أكثر من غيرها، وطريقة لفظ شخص لكلمة معينة وكيفية استخدامه لحركات جسمه، والأفكار المجنونة التي تراودنا ونخاف منها، وأحلامنا، وقائمة بكل الأشخاص الذين نحبهم. يبدو لي هذا مغرقًا في الطفولية أحيانًا. ولكن هناك أشياء اعتدت عليها وأحببتها.

أنا لا أستطيع إخراج مارينا من رأسي. ربما لأنها ماتت؟

لا زلت غير قادرة على التصالح مع الموت، وأدرك كم هذا سيء ولكنني لا أحاول أن أغير مشاعري تجاهه.



هل تريدين أن ترحلي قريبًا؟

لا، أريد المزيد من الوقت لأقع في حبّ كل شيء.

وأبكي، لأنّ كلَّ شيٍء أراهُ جميلٌ للغايةِ ولكنه ينتهي بسرعة.

26 نوفمبر 2016

مذكرات 26 نوفمبر

أنا متعبة للغاية، مشيت لثماني ساعات تقريبًا ثم جلست في متجر كتب لساعتين وخرجت بكتاب واحد فقط حيث إنني أحاول تقليل مصاريفي حاليًا، يوجد في مونتانا متجران لبيع الكتب المستعملة، وآخر للكتب الحديثة، ولكن لا يمكن مقارنتها بالمكتبة الذي ذهبت إليها في دي سي، لولا أن باميلا وبيل كانا جائعين وأشعراني بالذنب لقضيت الليلة هناك، لم يكن معي مال يكفي لشراء كل الكتب التي أردتها، فاكتفيت بتسجيل عناوينها في مفكرتي.

توقفت عن محاولة لمس كل شيء في محاولة للتخفيف من رغبتي الحادة لشراء كل ما تقع عليه عيني، أتذكر حين رأيت الفتى ذا الست سنوات وهو يضرب الأرض بقدميه في معرض الكتاب الذي أقامته المدرسة الابتدائية التي تقع بجانب كارول وهو ويطلب من أمه شراء المزيد من كتب التلوين ولكنها أمسكت يده بقوة وأخبرته أن يتوقف، كان منزعجًا ويجر قدميه خلفها فانتابتني رغبة حادة في أن أشتري له ما طلبه، الآن وأنا أمنع نفسي من شراء كل هذه الأشياء أتعلم قيمة جديدة بشكل مختلف عن طفولتي.

المدينة في الليل مختلفة تمامًا عنها في النهار، كان حكمي مبنيًا على خروجي للأماكن الراقية من المدينة، في النهار وبصحبة من يعرفون المدينة جيدًا، بينما عندما حلّ الليل وكنت وحدي أتسكع، اختفى الأمن فجأة. الأفارقة الأمريكيون الذين رأيتهم في الشارع كانوا يغمزون لي وعندما مر أحدهم بجانبي قال كلامًا سيئًا وآخر قال: "Hey, sweatie, you look beautiful tonight."

البعض كان يغني ويضع علبة معدنية على الأرض ويسأل المال، وآخرون كانوا يمسكون قطعة كرتونية مكتوب عليها Homeless. Anything helps.

بعضهم كان وقحًا ويتعرض للآخرين في الطريق ويطلب أن تعطيه مالًا وإن لم تفعل فإما أن يتركك في حالك أو يشتمك. كانت هناك امرأة أفريقية أمريكية تمشي في الشارع وتصرخ على الهاتف لدرجة أن كل من كانت تمر بجانبه كانوا يبتسمون خلسة، امرأة أخرى كانت تغني. مررت بالجزء القذر من المدينة حيث الحانات، كانت رائحة الشارع غير مشجعة، تقريبًا معظم من كانوا يقفون خارج الحانات كانوا يدخنون، وأغلبهم من النساء. وقفت سيارة وكانت فيها أمريكية وهتفت للأفريقي الأمريكي الذي يمشي في الشارع: "أنا أذكرك." وبقيت تسير بمحاذاته حتى رد عليها بشيء فذهبت.

كان الشارع قذرًا ومليئًا بالمشردين إما بعرباتهم أو حقائبهم، تذكرت المقال الذي قرأته من شهر عن تصويت مجلس النواب الإنكليزي بالرفض على قرار تخفيض الضرائب على الفوط الصحية، واعتبارها من الكماليات! أتذكر إليكسا وهي تغسل يديها في حمام عامٍ وتقول إنهم يعتبرون هذا ترفًا، السياسات الضريبية وفقًا لانحياز النوع شيء علني، ولا أحد بوسعه أن يفعل شيئًا على ما يبدو.

ثم تذكرت الفتيات في مخيم الزعتري، والإحصائية التي تعدد الأمراض التي تصاب بها النساء بسبب استخدامهنّ المتكرر للفوط نفسها، أختنق وأشعر أن هناك أشياء لم أفكر فيها من قبل ولم أشعر بالامتنان تجاهها، ما الذي يحدث للعالم؟ يتصدّع؟

البرد ليس قارصًا في واشنطن- مقاطعة كولومبيا، ولكن الريح شديدة ومؤذية، ولذا غالبًا ما ينام المشردون على فتحات الصرف الصحي التي تبعث هواءً دافئًا، التناقض الصارخ في الولايات المتحدة الأمريكية قبيح بشكل جذاب، هل هذا منطقي؟ ربما.

سألتني پاميلا منذ شهر عن شعوري حيال العودة إلى غزة، وقلت لها هناك الكثير من الأشياء التي أود فعلها، وأنني لم أقرأ كتابًا كاملًا خارج مقرر الجامعة منذ ثلاثة أشهر، كنت أتمشى كلما سنحت الفرصة ولكنني الآن لا أشعر برغبة في العودة على الإطلاق بينما يطلب أصدقائي أن أعجّل في العودة.

أحد أصدقائي سألني إن كنت أقرأ بعقلي أو بقلبي عندما ذكرت أنني اشتريت كتابًا لم يبد انّه يستحق القراءة فقط لأنني أحببت الإهداء، وربما لأنّ الفتاة التي كتبته توفيت في سن الثانية والعشرين بحادث سيارة بعد خمسة أيام من قراءتها خطاب التخرج الذي أثّر فيّ كثيرًا، أذكر كيف أنّ لا أحد من أصدقائي استطاع أن ينتشلني من نوبة الاكتئاب التي أصابتني مع بلوغي العشرين، ولكن سطرًا واحدًا، مقروءًا، استطاع. قالت مارينا:

"We are so young. We are so young."

كان هذا بسيطًا جدًا ولكن قويًا وقادرًا على جعلي أبتهج وأبكي، اشتريت الكتاب في مطعم اسمه "Busboys and Poets" يمتلكه عراقي أمريكي، وعندما كنت أبكي وأنا أقرأ، أتى النادل وسألني إن كان الكتاب جيدًا، لم أعرف ماذا أقول، كنت في الصفحة العشرين، ولا أذكر بم أجبته، ولكنه قال إنّه سيقرأه.

اكتشفت أن بوسعي البقاء في الأردن قدر ما أشاء، أفكر أن أمكث هناك حتى الأول من كانون الثاني ولكنني هكذا أثقل على عائلة والدتي، حيث إنني سأحتل غرفة عمو حسن وسيضطر هو للنوم على الأريكة. ربما سأستأجر غرفة للنوم فقط وأنطلق في المدينة.

لا أعرف أحدًا في عمان غير أصدقائي المدونين الذين تعرفت عليهم منذ سبع سنوات، لا أصدق أن سبع سنوات مرت! أنا خائفة جدًا، أجد أن من الطريف أنني نادرًا ما أسرّ بمخاوفي لأحد، ربما لأنها تبقى محركًا أساسيًا لي، أحيانًا أشعر أنّ مخاوفي تتبدل، تكبر، تختفي وتحتل مكانها مخاوف أخرى، على كلٍ، كان يومًا لطيفًا.

سأنام!

13 نوفمبر 2016

هل هو حنين أم؟

طلب مني البروفيسور فيرست أن أقدم محاضرة لصفه عن الإسلام، ذهبت وأنا لا أعرف ما الذي عليّ أن أقوله للطلبة الذين بدا أنهم مهتمّون للغاية بما سأقوله، كنت أريد أن أختصر لهم الأمر وأقول إنّه ليس مهمًا حقًا، ولكن أسئلتهم عن الإسلام لم تستمر إلا لعشر دقائق، وتزاحمت الأسئلة عن غزة والحياة هناك.
لم تكن هذه أول مرة أواجه فيها هذا القدر من الأسئلة من أشخاص يأخذون أبسط الأشياء على أنّها مسلّمات.
ما أدهشني، هو أنني في كل مرّة، أقول إنني سأخشوشن، أن الحديث عن الحياة في غزة لن يعود قادرًا على جعلي عاطفية، على جعل الكلام يخرج من حنجرتي التي تتحجر، أنني سأعتاد، إلا أنني أخون نفسي في كل مرّة، وكأنني أتحدث عنّا للمرة الأولى.