3 ديسمبر، 2016

مذكرات 3 ديسمبر

لم أشعر بأيّة رغبة في أن أكتب خلال اليومين السابقين، كان قد حدث سوء فهم بيني وبين أنس بخصوص كتب الGRE التي سأحضرها له، لا أعرف كيف جعلته يشعر أنّ هناك الكثير من الأشياء التي سيكون عليّ حملها وأنّ هذه الكتب بالذات ثقيلة.



تمشيت قرابة السبع ساعات، وتوقفت عن التفكير في ما قاله لي الأمر الذي عكّر صباحي، مع الوقت تصالحت مع الأمر وعزوت ذلك لحساسية أنس عادةً على الرغم من أنّني لا أعرفه جيدًا. حدث وأنا أتمشى أنني مررت بمتجر اسمه Barnes Jewlery وأغلبه ساعات مدهشة، كنت على وشك أن أغادر، ولكن صاحب المتجر قال بعد أن أخبرته وأنا أفتح الباب لأغادر بأن إحدى الساعات غريبة إن عليّ أن آتي وأرى الساعة الموجودة إلى جوار مكتبه، وقد كانت أغرب، ثم تجولنا في المتجر وأخذنا نضغط الأزرار المختلفة على الساعات لجعلها تصدر أصواتًا وموسيقى وأيضًا لتتحرك، ثم جلس على البيانو الذي بدأ يعزف من تلقاء نفسه، قال إنني يمكنني الآن أن أدعي قدرتي على العزف، جلست مكانه وأخذت أحرّك البيدالز وأخذت الموسيقى تخرج وأخذنا نضحك، ثم قال إن عليّ أن آخذ جولة في الجزء العلوي وأن هناك there are more funny stuff!

صعدت إلى الجزء العلوي وعبثت بما بدا الورشة الخاصة به، بعض الساعات كانت مفتوحة، وكنت أعبث بالعقارب فتتحرك أو تطنّ. عندما نزلت إلى الأسفل مجددًا أراني سفينة ضخمة معلقة في السقف صنعها مع زميله فسألته إن كانت تتحرك فقال إنهما قد يجعلانهما تتحرك وقد يعملان على ذلك.

لم لم أتعلم شيئًا غير التطريز؟ هناك ملايين الأشياء الممتعة الأخرى!


أما الآن فهي ليلة الأحد، أي لا أحد تقريبًا في السكن الجامعي، ذهبت للحمام وخرجت من الغرفة أكثر من مرة ولم أر أحدًا كالعادة، حتى روشني وروز ليستا هنا، أما دانييل، السيمي-دجاجة، عادت مع منتصف الليل تقريبًا. اليوم كان –وأودّ أن أستعير إحدى كلمات هيا- "خرافيًا". أنس يظن أنّ أفضل ما أفعله هو البكاء، ولكنّ العالم جميل للغاية، وفي كلّ مرةٍ تفاجئني مونتانا بعد أن كنت أظنّ أنني قد رأيت كلّ شيء فأبكي كالأطفال.


عندما حاولت أن أكتب عن الرحلة التي استغرقت يومًا كاملاً، بدا من الصعب التفكير بالعربية لمحاولة وصف المكان، خاصة أننا بيننا وبين بعضنا كنا نتحدث بالإنكليزية واصفين ما أعجبنا.

The Hadducks took me to Memorial Falls which is a part of the Big Belt mountains. The drive to the trail head took about 2 hours through some beautiful country. The trail to the falls was short and easy, although it was a little slick as it was covered with snow and ice.

Memorial Falls is not a large waterfall, but lovely.

أخذت الطريق أكثر من ساعتين حيث كانت ليندا تقود بحذر خوفًا من أن تفقد التحكم بالسيارة فجأة لأنّ الطريق زلق، ولأنني طلبت منهما أكثر من مرة أن نتوقف عندما أرى شيئًا ما، في البداية أردت أن أرى نهيرًا، كانت أول مرة أنزل فيها من السيارة فلم تكن لدي فكرة عن كثافة الثلج، فلمّا وضعت قدمي على الثلج ساخَت، ولم أعد أراها، لم أكن أعرف أننا سنذهب لمكان قد حلّ الشتاء فيه بالفعل وتساقط فيه كل هذا الثلج، كميات مهولة من الثلج في كل مكان، لم يكن الحذاء الذي اخترته مناسبًا، ولذا فقد تجمدت أصابع قدمي في اللحظة التي وضعت فيها قدمي على الثلج وأخذت أجري وأجري، كان هناك جسر صغير وأسفله مجرى مائي، كانت المياه صافية جدًا لدرجة أنّها أغرتني بالنزول ولمسها، كان مستر كيفين يرتدي قميصًا قصير الأكمام، فعاد إلى السيارة بينما لهوت أنا وليندا في المكان، وقبل عودتنا، كانت هناك منطقة لم تصلها أقدامنا، فاستلقيت عليها وحركت يدي إلى الأعلى والأسفل وقدميّ على الجانبين وعندما اعتدلت، قالت ليندا: "الآن يمكنك أن تشطبي صنع ملاك ثلجي من على قائمتك!"


توقفنا مرة أخرى عندما رأينا ما يقارب خمسين ديكًا روميًا، فعدنا بالسيارة مرة أخرى لنراهم عن قرب، ثم رأينا قطيعًا من الغزلان، هربوا عندما نزلنا من السيارة لنلتقط صورة أقرب لهم، قال مستر كيفين إنّهم ليسوا خائفين إنّما لا يحبون البشر، ثم رأينا مجموعة من القيوط أيضًا.

عندما وصلنا الممر الذي يقود لأعلى الجبل، كان هناك جدول مائي صغير في بدايته، أردت أن ألمس الماء مجددًا، وفجأة تبين أنني كنت أقف على جزء متجمد من الجدول لم يصمد تحت ثقلي فتكسّر وفزعت ثم ضحكت. لم يستطع مستر كيفين أن يصعد معنا إلا جزءًا بسيطًا لأنّ ظهره كان يؤلمه ولكنه قبل أن يعود طلب مني أن أقف تحت إحدى الأشجار، هزّ إحدى فروع الشجرة بعصاه، فتناثر الثلج على شعري وملابسي وضحكت بصوتٍ عالٍ على ما وصفته ليندا مكرًا طفوليًا. تركنا مستر كيفين خلفنا وأكملت مع ليندا، خفيفة الظل، والتي لا يبدو عليها أنّها في السابعة والخمسين، أي في عمر أبي. كان هناك شلال صغير في البداية، ثم ضحكت أنا وليندا وقلنا إن بوسع الثلج وهو يستلقي بدلال في كل مكان أن يجعل أشياء لا تبدو جميلة عادة جميلة للغاية وكنا نشير إلى الصخور التي جعلها الثلج تبدو "نظيفة" ولامعة.


كان هناك مجرى مائي آخر، شربت منه، ثم تسربت البرودة ليدي التي فقدت الشعور بها فورًا من شدّة البرد، فعضضت أصابعي لأشعر بهم مجددًا، وقررت أن آكل بعض الثلج باستخدام القفازات التي أعطاني إياها مستر كيفين والتي لا تسمح للماء بالولوج، لم يكن للثلج طعم على الإطلاق، فاستمررت بأكل حفنة من هنا ومن هناك ونحن نتخذ طريقنا إلى الأعلى، وصلنا إلى الشلال الأول، شلال صغير ولكنه مدهش، كان الماء قد تجمّد وكوّن أشكالاً مختلفة حول الشلال وتحته وعلى جانبيه، تأملناه لبعض الوقت ثم أكملنا طريقنا، وكانت العصا التي أعطاني إياها مستر كيفين قد جعلت خطواتي أثبت، في طريقنا إلى الشلال الثاني، سمعنا صوتًا لطيفًا، فتوقفنا، قالت ليندا إنه صوت الشجر وهو يحتكّ ببعضه البعض، ولكننا لم نر مصدر الصوت فلم نكن متأكدتين تمامًا، عندما وصلنا الشلال الثاني لفتت انتباهي شجرة حُفِر عليها بكل أناقة الحروف الأولى من أسماء أربعة أشخاص، ثم قالت ليندا انظري خلفك، وكان المنظر خياليًا. كل شجرة في المكان كان محفورًا إما الحروف الأولى من أسماء أشخاص مرّوا من هنا أو حبيبين كانت تلك طريقتهم في تخليد حبهما، أو مجرد رغبة بالحفر على الأشجار. ضحكت أنا وليندا وقلنا علّ بعضهم اختلفوا وهم في طريق العودة وبقيت هذه الذكرى اللطيفة هنا.


في طريق عودتنا، سمعنا الصوت اللطيف ذاته، ولكننا حاولنا هذه المرة البحث عن مصدره وعندما نظرنا لأعلى وجدنا شجرتين يحتكّ رأسهما، كان الصوت متناغمًا مع الأصوات الأخرى التي يصدرها المكان، حفيف الشجر، وخرير الماء، وأصوات الحيوانات التي تركض بعيدًا عنا. في منطقة ما، بدت الغابة مفتوحة تمامًا، بكيت. جلست على الأرض وأخذت صورة لقدميّ، ضحكت ليندا، فأخبرتها أن في هاتفي ما يقارب الألف صورة لقدميّ في كل مكان ذهبت إليه تقريبًا. قالت إنّ هذه فكرة جيدة ويمكنني أن أستخدم الصور لعرض قصّة وحدثتني عن عرضٍ شاهدته استخدمت فيه صديقتها صورًا لها في أماكن مختلفة لم يبد أنّ لها علاقة بما كانت ستتحدث عنه، ولكنّه كان عرضًا خلاقًا حيث ربطت بين الصور وحديثها بطريقة رائعة.


وقعت ما يقارب التسع مرات، بعض الوقعات كانت مؤلمة حيث وقعت على صخور لم تكفِ كمية الثلج التي كستها في تخفيف الوقعة، في البعض الآخر نجوت بأعجوبة، وأحيانًا حمتني الكميات الكبيرة من الثلج، ولكنّ الأمر كان ممتعًا.


عندما عدنا كان مستر كيفين يبدو كالأسكيمو، هو ضخم الجثة بالفعل، وزادته الملابس التي كان يرتديها ضخامة، وكان قد أخذ العصا الضخمة التي كنت قد وجدتها في البداية، بدا كأسكيمو حقيقي، كنت واقفة مع ليندا على الجسر، فقال إنّ واحدًا من الأشياء التي عليّ ألا أجربها أبدًا هو وضع لساني على حافة الجسر الحديدي، فسألته لم، وكان قد قفز إلى مخيلتي صورة للطفل في فيلم Christmas Story والذي التصق لسانه بسارية العلم بعد أن تحداه فتى بأن يضع لسانه على السارية الحديدية، فقال إن لساني ببساطة سيلتصق والطريقة الوحيدة ستكون بنزع الجلد (إن لم يكن هناك ماءٌ ساخن، والأمر مؤلم في الحالتين!)


عدنا إلى السيارة ولأنّ العودة من نفس الطريق الزلق في الليل خطرة، قررنا أن نعود من طريق آخر، توقفنا عند ممر آخر لاستكشافه، كان هناك كلبان يجريان حولنا، وقال مستر كيفين إنني أحرزت تقدمًا حيث لم يخيفاني على الإطلاق. لا زلت أحتفظ ببعض صور الكلاب التي ربّت عليها، ولكنني لم أصل بعد لدرجة أن أسمح لها بشمّي أو تقبيلي، ليندا توافقني على هذه!


كانت طريق العودة خلابة، أخرجت رأسي من النافذة وكان الهواء قويًا جدًا لدرجة أنني لم أكن قادرة على أن أتنفس أو أتكلم، كان شعري يتطاير وكنت أعود كل عشر ثوان إلى مقعدي لآخذ نفسًا جديدًا ثم أعود لأخرج رأسي مجددًا، كانت الشمس تغرب وكانت السحب جميلة جدًا ولكنني لم أستطع إخراج الهاتف من النافذة خوفًا من أن يطير من يدي، ثم أخرجت رأسي واستطعت أن أبقيه في الخارج لنصف دقيقة تقريبًا، أخرجت نصف جسدي العلوي، ووصلت لنافذة مستر كيفين ودققت على شباكه، كنت أحاول أن أقول شيئًا ولكن لم يبد أن هناك صوتًا للكلام الذي كان يخرج من فمي. قرر مستر كيفين أن يأخذ طريقًا أطول من المعتاد تمرّ من بلدة صغيرة تعرف ب Wolf Creek ، قال إنّ عدد سكان البلدة لا يزيد عن مائتين، وأن هناك بلدات أصغر قد تتألف فيا المدرسة من طالبين أو ثلاثة فقط في المناطق النائية جدًا.


كنا لا نزال بعيدين نحو ساعة عن هيلينا، فسألني مستر كيفين إن كنت أودّ أن أشاركهم بعشاء خفيف يتكون من حساء ديك رومي ونودلز، فأجبت بالإيجاب وقلت إنني سأرغب بذلك جدًا، بينما كانت ليندا تقود كان مستر كيفين يدلّك ظهرها الذي تصلّب بعض الشيء وكانا يضحكان، كانت تدعوه برأس الجُبْنِ لأنّه يعاني من multiple sclerosis.


وصلنا إلى بيتهما، وكانا قد استطاعا توفير السكن في بيت والانتقال إليه منذ ثلاث سنوات، وكانت هذه سنتهما الخامسة في مونتانا، حيث تنقلا في وظائف مختلفة وولايات مختلفة، كانت هذه ثاني مرة أدخل بيتهما، وأراد مستر كيفين أن يريني كيف يقضي وقت فراغه عادة، فأخذني إلى غرفة ممتلئة بمعدات لقطع الخشب والحفر عليه، أما زوجته ليندا فتحب الخياطة، وأراني غرفة صغيرة اعتادت فيها الاشتغال على درز قطع، ثم أخذني إلى القبو، وفيه بطانية اشتغلت عليها ليندا منذ عدة سنوات ولم يتبقّ فيها الكثير، وأراني بطانية أخرى ستهديها لابنها وزوجته اللذين تزوجا حديثًا، ضحك مستر كيفين وقال إنّ هذه البطانية ستتطلب ثلاث سنوات على الأقل وعندما أخبرنا ليندا بذلك قالت إنّه محق.


كانت هناك 3 خرائط على الحائط، واحدة للعالم، وأخرى للولايات المتحدة الأمريكية، والأخيرة والأكبر لمونتانا بكل ما فيها. قال مستر كيفين إنّه أراد لأطفاله وهم يكبرون أن يدركوا أنّ العالم كبير وأنّهم مجرد جزء صغير منه، ثم أخذ يسخر من الخرائط التي وضعت أمريكا في الوسط عوضًا عن اليسار "لكونها مركز الحضارة". أتت ليندا وقالت إنّ الطعام جاهز، ذهبنا إلى المطبخ، وضعت في طبقي بعضًا من الحساء وجلست، كانت هناك جبنة وبسكويت مملح أيضًا، كان الحساء مريئًا وطيبًا، تحدثنا بعدها لساعتين تقريبًا.


أراني مستر كيفين بحثه الذي نال عليه درجة الماجستير والذي كتبه قبل أكثر من 35 عامًا، كان ضخمًا ومكتوبًا بالآلة الكاتبة وقال إنّ المشرفة على تدقيق الأبحاث كانت إذا وجدت ولو خطأ واحدًا فإنّ عليهم أن يعيدوا الصفحة وأحيانًا عشر صفحات إذا تغير شيء بعد إصلاح الخطأ المطبعي، كان البحث يتبنى وجود علاقة بين كل من فرانسيس بيكون وجورج هربرت ويقرر أن فهم بيكون للعلم أثر على شِعْر هربرت ولذا فأغلب شعر هربرت يبدو فيه كما لو أنّ الله عالِمٌ يجري تجارب على البشر.


في طريق العودة إلى الجامعة، كاد مستر كيفين يتوه أكثر من مرة، وكانت ليندا تضحك وتقول إنّه يضيع من غيرها، وأن باله كان دائمًا مشغولًا خاصة في صغره حيث كانا يذهبان أحيانًا إلى البقالة القريبة منهم وينسى نفسه وأنّه ذات مرة ركن السيارة في الجامعة وعاد إلى البيت بدونها ليستيقظ صباحًا ويتساءل عن مكانها، وعن المرة التي خرج فيها من الجامعة وبعد أن كان قد ابتعد ما يقارب العشرة أميال تذكر أنّه كان في طريقه إلى البيت.


ركنا السيارة قبالة سكني، تشارليز، وعندما عدت، استلقيت على السرير وأخذت أراقب بياض السقف، أنا ممتنة لأنني اتخذت قبل أربعة أشهر قرار الحصول على السرير العلوي، لا أعرف كيف كنت لأشعر إذا استيقظت لأحدق في شيء فوقي مع إدراك أن شخصًا ينام عليه، لا زلت أستيقظ كل يوم لأراقب بياض السقف كأنني أنظر إليه للمرة الأولى، ربما يبدو أبيض أكثر مما يجب؟ أبيض جدًا؟


لا أعرف إن كانت هذه التجربة قد جعلتني أنأى عن معظم زملائي وأشعر أن العلاقات التي كوّنتها هشّة وسطحية، علاقتي برفيدة كانت أقوى وأنجح علاقة أقمتها حتى الآن، ولا أشعر بحاجة لبناء علاقة بذات الثقل، لقد بقيت بجانبي على الرغم من مزاجيتي مؤخرًا وعلى الرغم من أنني فعلت أشياء كثيرة لم توافق عليها ولم تفهم سبب فعلي لها، أما غادة فأعلنت أن قدرتي على اللاانتماء مخيفة، لعلها محقة.

على كلٍ، أنا ممتنة لليوم. جدًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق