28 يناير، 2017

بعض من البكاء سيحلّ هذا، ربما؟

في رواية سولا، يعود الملازم شادراك إلى ميداليون -بلدته الصغيرة التي ستُهدد بعد سنوات بتدمير إرثها الثقافي وقصصها البسيطة- بعد مشاركته في الحرب العالمية الأولى، كانت الحرب قد أكلت رأسه وما تبقى سالمًا من جسده، يعود فيخترع يوم الانتحار الوطني، في البداية يستهزئ الناس بالفكرة ولا يعيره إلا الصغار بعض الاهتمام، ثم مع الوقت يكتسب هذا اليوم شرعية خاصّة فتنتهي الرواية بشادراك وهو يهز جرسه بينما تتبعه مجموعة من الناس إلى النفق حيث يلقون حتفهم، يعلو صوت الجرس حتى يختلط بصوت الموت ثم يطغى على ما عداه من الأصوات.
أفكر، ربما نحن بحاجة إلى شيء مماثل؟ إلى يوم البكاء الوطني مثلاً؟ وستُقابل الفكرة باستخفاف ربما، ثم ستكتسب شرعيتها عندما تقرر مجموعة صغيرة أن تبكي، وعندها، يمكننا أن ننظر في وجوه بعضنا البعض ولا نشعر بالخجل أو العار، وفي اليوم التالي، سنقابل بعضنا البعض ونبتسم كأن شيئًا لم يحدث.
ربما؟

24 يناير، 2017

الخوف مرة أخرى

صباحًا، يبدو الخروج إلى العالم مستحيلاً، أصعب من أن أفعله، أقول لنفسي كيف أخرج بقلبٍ كهذا، أثقل من أن أحمله، أثقل من أن يواجه العالم والناس والحركة، أنا دجاجة، أقول لنفسي عدة مرات قبل أن أمسك مقبض الباب وأخرج، وتأخذني الحياة، تأخذني حتى أنسى ثقل قلبي، أنسى الهواجس الصباحية اليومية، أغرق في العالم، محيطي، فيّ، ولا أعاود الانتباه إلى تلك الهواجس التي تصبح أشبه بهلوسات إلا عندما أعود إلى البيت لأواجه يومًا آخر.
هناك نوع من الخوف يتغذّى عليك دون أن تدرك، وأحيانًا يكون من الصعب معرفة إن كان خوفًا متطفِّلًا أو إن كان يتغذّى عليك برغبة منك.
لو كان الخوف رجلاً لقتلته.

20 يناير، 2017

الخوف الذي مصدره أسفل المعدة

بوسعي أن أغمض عينيّ وأعود إلى مونتانا مجددًا، لا أصدق أنني عدت إلى البيت، لا أصدق أن التجربة التي استمرت لأكثر من أربعة أشهر انتهت وأنّ الواقع يمدّ لسانه يستخفّ بي، بأني غصت في تجربة الخروج من قوقعة غزة حتى كدت أنسى أنها مؤقتة.
عندما أغمض عينيّ، يكون بوسعي المشي في شوراع هيلينا، نزول الدرج في جامعة كارول مرة تلو الأخرى، خوض محادثات كثيرة، وأواجه الصراع ذاته الذي كنت أشعر به عندما تصبح اللغة غير قادرة على ردم الهوّة التي بيني وين من أتحدث معهم.
أنا أعاني من اكتئاب يكبّلني، يحبطني، يجعلني أشعر بأنني أكبر متظاهرة عرفتها في حياتي.
أكذَِب نفسي وأقول إنّ من غير المعقول أنّني سافرت، أنني فعلت الكثير من الأشياء التي لطالما أردت فعلها، أنني للمرة الأولى في حياتي كنت نفسي، وتصرفت على طبيعتي. لقد سعيت لشيء واحد طيلة حياتي، وهو ما وصفه هرمان هسّه في كتابه دميان "لم أكن أريد إلاّ أن أعيش وفق الدّوافع الحقيقيّة الّتي تنبع من داخلي، فلم كان الأمر بعذه الصّعوبة؟" أجد الأمر اليوم تحديًا حقيقيًا، أصعب من غيره، ليس بوسعي أن أسرَّ لأصدقائي بأشياء أؤمن بها، فعلتها أو أنوي فعلها دون أن أحصل على gaze من نوع خاصٍ جدًا، تلك التي أعرفها جيدًا.

أشعر برغبة حقيقية في خضمّ كل هذا الذي يدور داخلي وحولي بالإيمان بأنّ لا شخص بوسعه أن يحبني دون تكلّف سوى الله.
عندما قال مظفر النواب: "تعال لبستان السرِّ أريك الله على أصغر برعمِ ورد" أي إنّ عليّ البحث عن الله أولاً في الصغير من الأشياء وكلما ازداد توقي كلما رأيته في الكبير منها والأكبر والأكبر. أشعر أن ذلك الشغف والحماس اللذان قاداني لفترة طويلة من حياتي بدآ يختفيان وتحلّ محلهما المخاوف والمنطق، الخوف الذي مصدره أسفل المعدة، ذو اللون الأصفر الفاقع، هو الذي أمقته أكثر من غيره وهو ما أحاول تجنّبه.

ما الذي عليّ فعله؟
هل أنتظر أن تنجلي هذه السحابة؟ هل أخاطر؟ هل آخذ خطوة أخرى؟
ثم، عمّ أبحث حقًا؟

14 يناير، 2017

مريم وبيتر بان

كل ليلة، عندما أعود من العمل، آخذ مريم ابنة أختي، من خوخ بعد أن أطمئنها أن إنجابها لطفلها الأول لا يعني بالضرورة أنها بشكل سحري قد تعلمت كيف تمسكه بالشكل الصحيح وأن لا فرق فعليًا بيننا.

أغني لمريم عن قلبي المكسور، أحدثها عن الشروخ التي تحدث والتي لا يمكن رتقها، عن كل تلك الرتوق الطازجة التي أكاد أتلمس موضعها على قلبي، أحدّثها عن شباك غرفتنا المسحور الذي سيأتي منه پيتر پان ليأخذها إلى جزيرة الكنز حيث ستقاتل الأشرار وسيكون بإمكانها أن لا تكبر أبدًا، فتعود كل ليلة فتغفو في حضن أمها.
أخبرها أنني انتظرته كثيرًا، أنه لم يأتِ لأنني على ما يبدو كنت فتاة صالحة أكثر مما ينبغي، أن عليها بالمقابل أن تكون مشاكسة وتتعلم طرق الشر اللطيف.
اليوم، ابتسمت عندما ذكرت لها پيتر پان وتوقفت عن البكاء وأنا أشير إلى الشباك، مريم، يا مريم..